كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
المراد به ما كتبوه من التأويلات الزائغة وروجوه على العامه وقد قال بعض العلماء : ما أنفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولكن بإشارة لا يعرفها إلا العالمون ولو كان متجليا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه ثم أزداد ذلك غموضا بنقله من لسان إلى لسان وقد وجد في التوراة ألفاظ إذا أعتبرتها وجدتها دالة على صحة نبوته عليه الصلاة و السلام بتعريض هو عند الراسخين جلي وعند العامه خفي فعمد إلى ذلك أحبار من اليهود فأولوه وكتبوا تأويلاتهم المحرفة بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله إعظاما لشأنه وتمكينا له في قلوب أتباعهم الأميين و ثم للتراخي الرتبي فإن نسبة المحرف والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحا أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل والإشارة إما إلى الجميع أو إلى الخصوص
ليشتروا به ثمنا قليلا أي ليحصلوا بما أشاروا إليه غرضا من أغراض الدنيا الدنيئة وهو وإن جل أقل قليل بالنسبة إلى ما أستوجبوه من العذاب الدائم وحرموه من الثواب المقيم وهو علة للقول كما في البحر ولا أرى في الآية دليلا على المنع من أخذ الأجرة على كتابة المصاحف ولا على كراهية بيعها والأعمش تأول الآية وأستدل بها على الكراهة وطرف المنصف أعمى عن ذلك نعم ذهب إلى الكراهة جمع منهم إبن عمر رضي الله تعالى عنهما وبه قال بعض الأئمة لكن لا أظنهم يستدلون بهذه الآية وتمام البحث في محله
فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون 97 الفاءلتفصيل ما أجمل في قوله تعالى : فويل للذين يكتبون إلخ حيث يدل على ثبوت الويل للموصوفين بما ذكر لأجل إتصافهم به بناء على التعليق بالوصف من غير دلالة على أن ثبوته لأجل مجموع ما ذكر أولابل كل واحدفبين ذلك بقوله : ويل لهم إلخ مع ما فيه من التنصيص بالعلة ولا يخفى ما في هذا ألإجمال والتفصيل من المبالغة في الوعيد والزجر والتهويل
و من تعليلية متعلقة ب ويل أو بالإستقرار في الخبر و ما قيل : موصولة أسمية والعائد محذوف أي كتبته وقيل : مصدرية الأول أدخل في الزجر عن تعاطي المحرف والثاني في الزجر عن التحريف و ما الثانية مثلها ورجح بعضهم المصدرية في الموضعين لفظا ومعنى لعدم تقدير العائد ولأن مكسوب العبد حقيقة فعله الذي يعاقب عليه ويثاب وذكر بعض المحققين أن التحقيق أن العبد كما يعاقب على نفس فعله يعاقب على أثر فعله لإفضائه إلى حرام آخر وهو هنا يفضي إلى إضلال الغير وأكل الحرام وغاير بين الآيتين بأنه بين في الأولى إستحقاقهم العقاب بنفس الفعل وفي الثانية إستحقاقهم له بأثره ولذا جاء بالفاء ولا يخفى أنه كلام خال عن التحقيق كما لا يخفى على أرباب التدقيق ومما ذكرنا ظهر فائدة ذكرالويل ثلاث مرات وقيل : فائدته أن اليهود جنوا ثلاث جنايات تغيير صفة النبي صلى الله تعال عليه وسلم والإفتراء على الله تعالى وأخذ الرشوة فهددوا بكل جناية بالويل وكأنه جعل الفائدة في قوله تعالى : فويل للذين إلى آخر المعطوف كما في خبر لا يؤمن الرجل قوما فيخص نفسه بالدعاء وهو على بعده لا يظهر عليه وجه إيرادالفاء في الثاني ثم الظاهر أن مفعول الكسب خاص وهو ما دل عليه سياق الآية وقيل : المراد ب 0 ما يكسبون جميع الأعمال السيئة ليشمل القول ولا يخفى بعده وعدم التعرض للقول لما أنه من مبادي ترويج ما كتبت أيديهم والآية نزلت في أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رياستهم بإبقاء صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على حالها فغيروها وقيل : خاف ملوكهم على ملكهم إذا آمن الناس فرشوهم فحرفوا