كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
والقول بأنها نزلت في الذين لم يؤمنوا بنبي ولم يتبعوا كتابا بل كتبوا بأيديهم كتابا وحللوا فيه ما أختاروا وحرموا ما أختاروا وقالوا : هذا من عندالله غير مرضي كالقول بأنها نزلت في عبدالله بن سرح كاتب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يغير القرآن فأرتد وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة جملة حالية معطوفة على قوله تعالى : وقد كان فريق منهم عند فريق منهم وعند آخرين على وإذ قتلتم عطف قصة على قصة وأختار بعض المحققين أنها إعتراض لرد ما قالوا حين أوعدواعلى ما تقدم بالويل بل جميع الجمل عنده من قوله تعالى : أفتطمعون إلى قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاق إلخ ذكر إستطرادا بين القصتين المعطوفتين فالضمير في قالوا عائد على الذين يكتبون الكتاب والمس إتصال أحد الشيئين بآخرعلى وجه الإحساس والإصابة وذكر الراغب أنه كاللمس لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن لم يوجد كقوله :
وألمسه فلا أجده
والمراد من النار نار الآخرة ومن المعدودة المحصورة القليلة وكنى بالمعدودة عن القليلة لما أن الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينه تصور القليل متيسر العدد والكثير متعسره فقالوا : شيء معدود أي قليل وغير معدود أي كثير والقول بأنا لقلة تستفاد من أن الزمان إذا كثر لا يعد بالأيام بل بالشهور والسنة والقرن يشكل بقوله تعالى : كتب عليكم الصيام إلى أياما معدودات وبقوله سبحانه : وواعدنا موسى أربعين ليلة وروى عنهم أنهم يعذبون أربعين يوما عدد عبادتهم العجل ثم ينادي أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل وفي رواية أنهم يعذبون سبعة أيام لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم وهي سبعة الآف سنة وروى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم زعموا أنهم وجدوا مكتوبا في التوراة إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم وأنهم يقطعون في كل يوم مسيرة سنة فيكملونها وقد قالوا ذلك حين دخل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة وسمعه المسلمون فنزلت هذه الآية
قل أتخذتم عند الله عهدا تبكيت لهم وتوبيخ والعهد مجاز عن خبره تعالى أو وعده بعدم مساس النار لهم سوى الأيام المعدودة وسمى ذلك عهدا لأنه أوكد من العهود المؤكدة بالقسم والنذر وفسره قتادة هنا بالوعد مستشهدا بقوله تعالى : ومنهم من عاهد الله إلى قوله سبحانه : بما أخلفوا الله ما وعدوه
وأعترض بأنه لا وجه للتخصيص فإن لن تمسنا إلخ فرع الوعد والوعيد لأن مساس النار وعيد وأجيب بأنه إنما لم يتعرض للعويد لأن المقصود بالإستفهام الوعدلا الوعيد فإنه ثابت في حقهم وروى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتستدلون بذلك وتعلمون خروجكم من النار ويؤول إلى هل أسلفتم عند الله أعمالا توجب ما تدعون والمعنى الأول أظهر وقرأ إبن كثير وحفص بإظهار الذال والباقون بإدغامه وحذفت من إتخذ همزة الوصل لوقوعها في الدرج
فلن يخلف الله عهده جواب شرط مقدر أي إن إتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف وقدره العلامة إن كنتم إتخذتم إذ ليس المعنى على الإستقبال وهو مبني على أن حرف الشرط لا يغير معنى كان وفيه خلاف معروف فإن قلت لا يصح جعل فلن يخلف الله جزاء لإمتناع السببية والترتب لكون لن لمحض الإستقبال قلت ذلك ليس بلازم في الفاء الفصيحة كقوله : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا