كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
يبقى حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد إلا إيمان قليل إذ لا ينفعهم لايقدم عليه إلا القليل ممن لم يعط فهما في الألفاظ العربية وروى عن أبي عمرو وغيره رفع قليل والكثير المشهور في أمثال ذلك النصب لأن ما قبله موجب وأختلفوا في تخريج الرفع فقيل : إن المرفوع تأكيد للضمير أو بدل منه وجاز لأن توليتم في معنى النفي أي لم يفوا وقد خرج غير واحد قوله : فيما صح على الصحيح : العالمون هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا المخلصون والمخلصون على خطر وقول الشاعر : وبالصريمة منهم منزل خلق عاف تغير إلا النوء والوتد على ذلك وقول أبي حيان إنه ليس بشيء إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بنفي فيلزم جواز قام القوم إلا زيد بالرفع على التأويل والإبدالولم يجوزه النحويون ليس بشيء كما لايخفى وقيل : إن لا صفة بمعنى غير ظهر إعرابها فيما بعدها وقد عقد سيبويه لذلك بابا في كتابه فقال : هذا باب ما يكون فيه إلا وما بعدها وصفا بمنزلة غير ومثل وذكر من أمثلة هذا الباب لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وقوله : أينخت فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها وخرج جمع جميع ما سلف على هذا وفيه أن ذلك فيما نحن فيه لا يستقيم إلا على مذهب إبن عصفور حيث ذهب إلى أن الوصف ب إلا يخالف الوصف بغيرها من حيث إنه يوصف بها النكرة والمعرفة والظاهر والمضمر وأما على مذهب غيره وهو إبن شاهين بالنسبة إليه من أنه لا يوصف بها إلا إذا كان الموصوف نكرة أو معرفة بلام الجنس فلا والمبرد يشترط في الوصف بها صلاحية البدل في موضعه وقيل : إنه مبتدأ خبره محدوف أي لم يقولواولا يرد عليه شيء مما تقدم إلا أن فيه كلاما سنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : إلا إبليس لم يكن من الساجدين وأنتم معرضون 38 جملة معترضة أي وأنتم قوم عادتكم الأعراض والتولي عن المواثيق ويؤخذ كونه عادتهم من الأسمية الدالة على الثبوت وقيل : حال مؤكدة والتولي والأعراض شيء واحد ويجوز فصل الحال المؤكدة بالواو عند المحققين وفرق بعضهم بين التولي والأعراض بأن الأول قد يكون لحاجة تدعو إلى الإنصراف مع ثبوت العقد والأعراض هو الإنصراف عن الشيء بالقلب وقيل : إن التولي أن يرجع عوده إلى بدئه والإعراض أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق والمتولي أقرب أمرا من المعرض لأنه متى عزم سهل عليه العود إلى سلوك المنهج والمعرض حيث ترك المنهج واحد في عرض الطريق يحتاج إلى طلب منهجه فيعسر عليه العود إليه
ومن الناس من جوز أن يكون معرضون على ظاهره والجملة حال مقيدة أي لم يتولى إلى القليل وأنتم معرضون عنهم ساخطون لهم فيكون في ذلك مزيد توبيخ لهم ومدحا للقليل فهو بعيد كالقول بأنها مقيدة ومتعلق التولي والأعراض مختلف أي توليتم على المضي في الميثاق وأعرضتم عن إتباع هذا النبي وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم على نحو ما سبق في لا تعبدون والمراد أن لا يتعرض بعضكم بعضا بالقتل والإجلاء وجعل قتل الرجل غيره قتل نفسه لإتصاله نسبا أو دينا أو لأنه يوجبه قصاصا ففي الآية مجاز إما في ضميركم حيث عبر به عمن يتصل به أو في تسفكون حيث أريد به ما هو سبب السفك وقيل : معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم أو لا تفعلون ما يرد بكم ويصرفكم عن لذات الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به