كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وقال أبو علي : معناه لغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئا وأراه هنا كسابقه في غاية البعد والقول بأن معنى الآية وإن يأتوكم اسارى في أيدي الشياطين تتصدون لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ مع تضييعكم أنفسكم إلى البطون أقرب كما لا يخفى والأسارى قيل : جمع أسير بمعنى مأسور وكأنهم حملوا أسيرا على كسلان فجمعوه جمعه كما جملوا كسلان عليه فقالوا كسلى كذا قال سيبويه ووجه الشبه أن الأسر محبوس عن كثير من تصرفه للأسر والكسلان محبوس عن ذلك لعادته وقيل : إنه مجموع كذا إبتداء من غير حمل كما قالوا في قديم قدامى وسمع بفتح الهمزة وليست بالعالية خلافا لبعضهم حيث زعم أن الفتح هو الأصل والضم ليزداد قوة وقيل : جمع أسرىوبه قرأ حمزةوهو جمع أسير كجريج وجرحى فيكون أسارى جمع الجمع قاله المفضل وقال أبو عمروك الأسرى من في اليد والأسارى من في الوثاقولا أرى فرقابل المأخذون على سبيل القهر والغلبة مطلقا أسرى وأسارى
وهو محرم عليكم إخراجهم حال من فاعل تخرجون فريقا منكم أو مفعوله بعد إعتبار التقييد بالحال السابقة وقوله تعالى : وإن يأتوكم إعتراض بينهما لا معطوف على تظاهرون لأن الإتيان لم يكن مقارنا للإخراج وقيد الإخراج بهذه الحال لإفادة أنه لم يكن عن إستحقاق ومعصية موجبة له وتخصيصه بالتقييد دون القتل للإهتمام بشأنه لكونه أشد منه والفتنة أشد من القتل وقيل : لا بل لكونه أقل خطرا بالنسبة إلى القتل فكان مظنة التساهل ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم وذلك مختص بصورة الإخراج إذ لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو قصاص وهو السر في تخصيص التظاهر فيما سبق وقيل : النكتة في إعادة تحريم الإخراج وقد أفاده لا تخرجون أنفسكم بأبلغ وجه وفي تخصيص تحريم الإخراج بالإعادة دون القتل أنهم أمتثلوا حكما في باب المخرج وهو الفداء وخالفوا حكما وهو الإخراج فجمع مع الفداء حرمة الإخراج ليتصل به أفتؤمنون إلخ اشد إتصال ويتضح كفرهم بالبعض وإيمانهم بالبعض كمال إتضاح حيث وقع في حق شخص واحد والضمير للشأن والجملة بعده خبره وقيل : خبره محرم و إخراجهم نائب فاعل وهو مذهب الكوفيين وتبعهم المهدوي وإنما أرتكبوه لأن الخبر المتحمل ضميرا مرفوعا لا يجوز تقديمه على المبتدأ فلا يجيزون قائم زيد على أن يكون قائم خبرا مقدما والبصريون يجوزون ذلك ولايجيزون هذا الوجه لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه عندهم إلا بحملة مصرح بجزأيها وقيل : إنه ضمير مبهم مبتدأ أيضا و محرم خبره و إخراجهم بدل منه مفسر له وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه ومنهم من منعه وأجازه الكسائي وقيل : راجع إلى الإخراج المفهوم من تخرجون و إخراجهم عطف بيان له أو بدل منه أو من ضمير محرم وضعف بأنه بعد عوده إلى الإخراج لا وجه لإبداله منه ومن الغريب ما نقل عن الكوفيين أنه يحتمل أن يكون هو ضمير فصل وقد تقدم مع الخبر والتقدير وإخراجهم هو محرم عليكمفلما قدم خبر المبتدأ عليه قدم هو معه ولا يجوزه البصريون لأن وقوع الفصل بين معرفة ونكرة لا تقارب المعرفةلا يجوز عندهم وتوسطه بين المبتدأ والخبر أو بين ما هما أصله شرط عندهم أيضا ولإبن عطية في هذا الضمير كلام يجب إضماره أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض عطف على تقتلون أو على محذوف أي أتفعلون ما ذكر فتؤمنون إلخ والإستفهام للتهديد والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله تعالى إذ العهد كان بثلاثة أشياء ترك القتل وترك الإخراج ومفاداة الأسارى فقتلوا وأخرجوا على خلاف العهد وفدوا بمقتضاه وقيل : المواثيق أربعة فزيد ترك المظاهرة وقد أخرج إبن جرير عن أبي العالية أن عبدالله بن سلام مر على رأس