كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء ما لم يقع عليه العرب ولا يفادي من وقع عليه العرب فقال له عبدالله إبن سلام : أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن وروى محيي السنة عن السدي أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ولايخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فأشتروه بما قام من ثمنه فأعتقوه ولعل كفرهم بما أرتكبوا لإعتقادهم عدم الحرمة مع دلالة صريح التوراة عليها لكن ما في الكشاف من أنه قيل لهمك كيف تقاتلونهم ثم تفدوهم ! فقالوا : أمرنا بالفداء وحرم علينا القتال لكنا نستحي من حلفاتنا يدل على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فإطلاق الكفر حينئذ على فعل ما حرم إما لأنه كان في شرعهم كفرا أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة ونحوه ذلك في شرعنا والقول بأن المعنى أتستعملون البعض وتتركون البعض فالكلام محمول على المجاز بهذا الإعتبار لا إعتبار به كالقول بأن المراد بالبعض المؤمن به نبوة موسى عليه السلام والبعض الآخر نبوة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم
فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض أو إلى ما فعلوه من القتل والإجلاء مع مفاداة الأسارى المقابلة ويطلق في الخير والشر والخزي الهوان والماضيخ وقال إبن السكيت : معنى خز يوقع في بلية وخزي الرجل خزاية إذا أستحى وهو خزيان وقوم خزايا وبه هنا الفضيحة والعقوبة أو ضرب الجزية غابر الدهر أو غلبة العدو أو قتل قريظة وإجلاء النضير من منازلهم إلى أريحاء وأذرعات
وقد روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : كان عادت بني قريظة القتل وعادة بني النضير الإخراج فلما غلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجلى بني النضير وقتل رجال قريظة وأسر نساءهم وأطفالهم وتنكير الخزي للأيذان بفظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغا لا يكنه كنهه ومن هنا لم يخصه بعضهم ببعض الوجوه وأدعى أن الأظهر ذلك وجعل الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض أي بعض كان ولذلك أفردها وحينئذ يتناول الكفرة بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ونظيره من يفعل جميع ذلك و الدنيا مأخوذة من دنا يدنو وياؤها منقلبة عن واو ولا يحذف منها الألف واللام إلا قليلا وخصه أبو حيان في الشعر و ما نافية و من إن جعلت موصولة فلا محل ليفعل من الإعراب وإن جعلت موصوفة فمحله الجر على أنه صفتها و منكم حال من فاعل يفعل و إلا خزي إستثناء مفرغ وقع خبرا للمبتدأ ولا يجوز النصب في مثل ذلك على المشهور ونقل عن يونس إجازته في الخبر بعد إلا كائنا ما كان وقال بعضهم إن كان ما بعد إلا هو الأول في المعنى أو منزل منزلته لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور وأجاز الكوفيون النصب فيما كان الثاني فيه منزلا منزلة الأول وإن كان وصفا أجاز فيه الفراء النصب ومنعه البصريون وحكى عنهم أنهم لا يجوزون النصب في غير المصادر إلا أن يعرف المعنى فيضمر ناصب حينئذ وتحقيقه في محله
ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب أي يصيرون إليه فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك في اشد العذاب وقد يراد بالرد الرجوع إلى ما كانوا فيه كما في قوله تعالى فرددناه إلى أمه وكأنهم كانوا في الدنيا أو في القبور في أشد العذاب أيضا فردوا إليه والمراد به الخلود في النار وأشديته من حيث إنه لا إنقضاء له أو المراد أشد