كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
أنه لو كان كذلك لجاز وقوع الهمزة في اللاكلام قبل أن يتقدمه ما كان معطوفا عليه ولم تجيء إلا مبنية على كلام متقدم وفي كون الهمزة الداخلة على جملة معطوفة بالواو أو الفاء أو ثمفي محلها الأصلي أو مقدمة من تأخير حيث إن محلها بعد العاطف خلاف مشهور بين أهل العربية وبعض المحققين يحملها في بعض المواضع على هذأ وفي البعض على ذلك بحسب مقتضى المقام ومساق الكلام والقلب يميل إليه قيل : ولا يلزم بطلان صدارةالهمزةإذ لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت هي عليه وتعلق معناها بمضمونه غاية الأمر أنها توسطت بين كلامين لإفادة إنكار جمع الثاني مع الأول أو لوقوعه بعده متراخيا أو غير متراخ وهذا مراد من قال : إنها مقحمة مزيدة لتقرير معنى الإنكار أو التقرير أي مقحمة على المعطوف مزيدة بعد إعتبار عطفه ولم يرد أنها صلة و تهوى منهوى بالكسر إذا أحب ومصدره هوى بالقصر وأما هوى بالفتح فبمعنى سقط ومصدره هوى بالضم وأصله فعول فاعل وقال المرزوقي : هوى إنقض إنقضاض النجم والطائر والأصمعي يقول : هوت العقاب إذا أنقضت لغير الصيد وأهوت إذا أنقضت للصيد وحكى بعضهم أنه يقال : هوى يهوى هويا بفتح الهاءإذا كان القصد من أعلى إلى أسفل وهوى يهوى هويا بالضم إذا كان من أسفل إلى أعلى وما ذكرناه أولا هو المشهوروالهوى يكون في الحق وغيره وإذا أضيف إلى النفس فالمراد به الثاني في الأكثر ومنه هذه الآية وعبر عن المحبة بأن مدار الرد والقبول عندهم هو المخالفة لأهواء أنفسهم والموافقة لها لا شيء آخر ومتعلق أستكبرتم محذوف أي عن الإيمان بما جاء به مثلا وأستفعل هنا بمعنى تفعل
ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون 78 الظاهر أنه عطف على أستكبرتم والفاء للسببية إن كان التكذيب والقتل مر تبين على الإستكبار وللتفصيل إن كانا نوعين منه وجوز الراغب أن يكون عطفا على وأيدناه ويكون أفكلما مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار وقدم فريقا في الموضعين للإهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر وثم محدوف أي فريقا منهم وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول ونسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية وأستحضارا لصورتها لفظاعتها وأستعظامها أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فينا قبل أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة سواء ترتب عليه أو لا وقيل : لا حاجة إلى التعميم لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قتل حقيقة بالسم الذي ناولوه على ما وقع في الصحيح بلفظ وهذا أوان وجدت إنقطاع أبهري من ذلك السم وفيه أنه لم يتحقق منهم القتل زمان نزول الآية بل مباشرة الأسباب فلا بد من التعميم
وقالوا قلوبنا غلف عطف على أستكبرتم أو على كذبتم فتكون تفسيرا للإستكبار وعلى التقديرين فيه إلتفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عن مخاطبتهم وإبعادا لهم عن عز الحضور والقائلون هم الموجودون في عصر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والغلف جمع أغلف كأحمر وحمر وهو الذي لايفقه قيل : وأصله ذو العلفة الذي لم يختن أو جمع غلاف ويجمع على غلف بضمتين أيضا وبه قرأ إبن عباس وغيره وأرادوا على الأول قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به فيها وهذا كقولهم : قلوبنا في أكنة مما