كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

تدعونا إليه قصدوا به إقناط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الإجابة وقطع طعمه عنهم بالكلية وقيل : مغشاة بعلوم من التوراة نحفظها أن يصل إليها ما تأتي به أو بسلامة من الفطرة كدلك وعلى الثاني أنها أوعية العلم فلو كان ما تقوله حقا وصدقا لوعته قاله إبن عباس وقتادة والسدي أو مملوءة علما فلا تسع بعد شيئا فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره روى ذلك عن إبن عباس أيضا وقيل : أرادوا أنها أوعية العلم فكيف يحل لنا إتباع الأمي ولا يخفى بعده
بل لعنهم الله بكفرهم رد لما قالوه وتكذيب لهم فيما زعموه والمعنى انها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن الله تعالى أبعدهم وأبطل إستعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب إعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقا وصدقا بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم أو أن الله تعالى أقصاهم عن رحمته فأنى لهم أدعاء العلم الذي هو أجل آثارهاويعلم من هذه الوجوه كيفية الرد على ما قيل قبل من الوجوه فقليلا ما يؤمنون 88 الفاء لسببية اللعن لعدم الإيمان وقليلا نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيمانا قليلا وهو إيمانهم ببعض الكتاب و ما مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأن ما في حيزها لا يتقدمها ولأنه وإن كان بمعنى لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثيرلكن ربما يتوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيرا ولا مصدرية لإقتضائها رفع القليل بأن يكون خبرا والمصدر المعرف بالإضافة مبتدأ والتقدير فإيمانهم قليل وجوز بعضهمكونها نافية بناء على مذهب الكوفيين من جواز تقدم ما في حيزها عليها ولم يبال بالتوهم وآخرون كونها مصدرية والمصدر فاعل قليلا وكانوا مقدرة في نظم الكلام فتكون على طراز كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ولا يخفى ما فيه من التكلف وجوز إنتصاب قليلا على الحال إما من ضمير الإيمان أو من فاعل يؤمنون والتقدير فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلته وهو المروى عن سيبويه أو فيؤمنون حال كونهم جمعا قليلا أي المؤمن منهم قليل وهو المروى عن إبن عباس وطلحة وقتادة ولذا جوز كونه نعتا للزمان أي زمانا قليلا وهو زمان الإستفتاح أو بلوغ الروح التراقي أو ما قالوا آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار وأكفروا آخره وأولى الوجوه أولها والظاهر أن المراد بالإيمان المعنى اللغوي والقلة مقابل الكثرة وقال الزمخشري : يجوز أن تكون بمعنى العدم وكأنه أخذه من كلام الواقدي لا قليلا ولا كثيرا وأعترضه في البحر بأن القلة بمعنى النفي وإن صحت لكن في غير هدا التركيب لأن قليلا أنتصب بالفعل المثبت فصار نظير قمت قليلا أي قياما قليلا ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت قليلا صفة لمصدره يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة إنتفاء ذلك المثبت رأسا وعدم وقوعه بالكلية وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهمأقل رجل يقول ذلك وقلما يقوم زيدفحملها هنا على ذلك ليس بصحيح وليت شعري أي معنى لقولنا يؤمنون إيمانا معدوما وما نقل الكسائي عن العرب أنهم يقولون : مررنا بأرض قليلا ما تنبت ويريدون لا تنبت شيئا فإنما ذلك لأن قليلا حال من الأرض وإن كان نكرة و ما مصدرية والتقدير قليلا إنباتها فلا مانع فيه من حمل القلة على العدموأين ما نحن فيهمن ذاك اللهم إلا على بعض الوجوه المرجوحة لكن الزمشخري غير قائل به ويمكن أن يقال : إن ذلك على طريق الكناية فإن قلة الشيء تستتبع عدمه في أكثر الأوقات لا على أن لفظ القلة مستعمل بمعنى العدم فإنه هنا قول بارد جدا ولو أوقد عليه الواقدي ألف سنة

الصفحة 319