كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ولما جاءهم كتاب من عند الله وهوالقرآن وتنكيره للتعظيم ووصفه للتشريف والإيذان بأنه جدير بأن يقبل ما فيه وتبع لأنه من خالقهم وإلههم الناظر في مصالحهم والجملة عطف على قالوا قلوبنا غلف أي وكذبوا لما جاءهم إلخ مصدق لما معهم من كتابهم أي نازل حسبما نعت أو مطابق له و مصدق صفة ثانية لكتاب وقدمت الأولى عليها لان الوصف بكينونته من عنده تعالى آكد ووصفه بالتصديق ناشيء عنها وجعله مصدقا ل كتابهم لا مصدقا به إشارة إلى أنه بمنزلة الواقع ونفس الأمر لكتابهم لكونه مشتملا على الأخبار عنه محتاجا في صدقه إليه وإلى أنه بإعجازه مستغن عن تصديق الغير وفي مصحف أبي مصدقا بالنصب وبه قرأ إبن أبي عبلة وهو حينئذ حال من الضمير المستقر في الظرف أو من كتاب لتخصيصه بالوصف المقرب له من المعرفة وإحتمال أن الظرف لغة متعلق ب جاء بعيدفلا يضرعلى سيبويه جوز مجيء الحال من النكرة بلا شرط وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل مبعثهقاله إبن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادةوالمعنى يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين كما روى السدي أنهم كانوا إذا أشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقالوا : اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدونا فينصرون فالسين للطلب والفتح معنى النصر بواسطة على أو يفتحون عليهم من قولهم : فتح عليه إذا علمه ووقفه كما في قوله تعالى : أتحدثونهم بما فتح الله عليكم أي يعرفون المشركين أن نبيا يبعث منهم وقد قرب زمانه فالسين زائدة للمبالغة كأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهموالشيء بعد الطلب أبلغوهو من باب التجريد جردوا من أنفسهم أشخاصا وسألوهم الفتح كفولهم : أستعجل كأنه طلب العجلة من نفسه ويؤول المعنى إلى يانفس عرفي المشركين أن نبيا يبعث مهنم وقيل : يستفتحون بمعنى يستخبرون عنه صلى الله تعالى عليه وسلم هل ولد مولود صفته كذا وكذا نقله الراغب وغيره وما قيل : إنه لا يتعدى ب علي لا يسمع بمجرد التشهي
فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به كنى عن الكتاب المتقدم ب ما عرفوا لأن معرفة من أنزل عليه معرفة له والإستفتاح به إستفتاح به وإيراد الموصول دون الإكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم ويحتمل أن يراد به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما قد يعبر بها عن صفات من يعقل وبعضهم فسره بالحق إشارة إلى وجه التعبير عنه عليه الصلاة و السلام ب ما وهو أن المراد به الحقلا خصوصية ذاته المطهرةوعرفانهم ذلك حصل بدلالة المعجزات والموافقة لما نعت في كتابهم فإنه كالصريح عند الراسخين فلا يرد أن نعت الرسول في التوراة إن كان مذكورا على التعيين فكيف ينكرونه فإنه مذكور بالتواتر وإلا فلا عرفان للإشتباه على أن الإيراد في غاية السقوط لأن الآية مسافة على حد قوله تعالى : وجحدوا بها وأستيقنتها أنفسهم أي جحدوه مع علمهم بهوهذا أبلغ في ذمهم و كفروا جواب ل ما الأولى و ل ما الثانية تكرير لها لطول العهد كما في قوله تعالى لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب وإلى ذلك ذهب المبرد وقال الفراء : ل ما الثانية مع جوابها جواب الأولى كقوله تعالى : فأما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي إلخ وعلى الوجهين يكون قوله سبحانه : وكانوا من قبل جملة حالية بتقدير قدم قررة وأختار الزجاج والأخفش أن جواب الأولى

الصفحة 320