كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

محذوف أي كذبوا به مثلا وعليه يكون وكانوا من قبل إلخ مع ما عطف عليه من قوله تعالى : فلما جاءهم من الشرط والجزاء جملة معطوفة على لما جاءهم بعد تمامها تدل الأولى على معاملتهم مع الكتاب المصدق والثانية مع الرسول المستفتح به وأرتضاه بعض المحققين لما في الأولى من لزوم التأكيد والتأسيس أولى منه وإستعمال الفاء للتراخي الرتبي فإن مرتبة المؤكد بعد مرتبة المؤكد ولمافي الثاني من دخول الفاء في جواب لما مع أنه ماض وهو قليل جدا حتى لم يجوزه البصريون ولو جوز وقوعها زائدة فلما لا تجاب بمثلها لا يقال لما جاء زيد لما قعد عمرو أكرم تكبل هو كما ترى تركيب معقود في لسانهم مع خلو الوجهين عن فائدة عظيمة وهو بيان سوء معاملتهم مع الرسول وأستلزامهما جعل وكانوا حالا وأختار أبو البقاء إن كفروا جواب لما الأولى والثانية ولا حذف لأن مقتضاهما واحد وليس بشيء كجعل فلعنة الله على الكافرين 98 جوابا للأولى وما بينهما إعتراض واللام في الكافرين للعهد أي عليهم ووضع المظهر موضع المضمر للأشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه وجوز كونها للجنس ويدخلون فيه دخولا أوليا وأعترض بأن دلالة العام متساوية فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء والجواب أن المراد دخولا قصديا لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم ويكون ذلك من الكناية الإيمائية ويصار إليها إذا كان الموصوف مبالغا في ذلك الوصف ومنهمكا فيه حتى إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصر عليهاأنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو من أبناء جنسكفاليهود لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ونعى الله تعالى عليهم ذلك صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم وكان هذا الكلام لازما لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولا فيه لكونهم تسببوا أستجلاب هذا القول في غيرهم وجعل السكاكي من هذا القبيل قوله : إذا الله لم يسق إلا الكراما فيسقى وجوه عني حنبل فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى لإخفاء فيه بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله أي باعوا فالأنفس بمنزلة المثمن والكفر بمنزلة الثمن لأن أنفسهم الخبيثة لا تشترى بل تباع وهو على الإستعارة أي إنهم أختاروا الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه وقيل : هو بمعناه المشهور لأن المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه فكأنه أشترى نفسه بها فهؤلاء اليهود لما أعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ظنوا أنهم أشتروا أنفسهم وخلصوها فذمهم الله تعالى عليه وأعترض بأنه كيف يدعى أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا وإرادة العقاب الدنيوي كترك الرياسة غير صحيح لأنه لا يشتري به الأنفس ويمكن الجواب بأن المراد أنهم ظنوا على ما هو ظاهر حالهم من التصلب في اليهودية والخوف فيما يأتون ويذرون وأدعاء الحقية فيه فلا ينافي عدم ظنهم في الواقع على ما تدل عليه الآية والمراد بما أنزل الله الكتاب المصدق وفي تبديل المجيء بالإنزال المشعر بأنه من العالم العلوي مع الإسناد إليه تعالى إيذان بعلو شأنه وعظمه الموجب للإيمان به وقيل : يحتمل أن يراد به التوراة والإنجيل وأن يراد الجميع والكفر ببعضها كفر بكلها وأختلف في ما الواقعة بعد بئس ألها محل من الإعراب أم لا فذهب الفراء إلى أنها لا محل لها وأنها مع بئس شيء واحد كحبذا وذهب

الصفحة 321