كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
يكفرون والتقييد بالحال حينئذ لإفادة بيان شناعة حالهم بأنهم متناقضوا في إيمانهم لأن كفرهم بما وراءه حال الإيمان بالتوراة يستلزم عدم الإيمان بهوهذا أدخل في رد مقالتهم ولهذا أختار هذا الوجه بعض الوجوه ووراء في الأصل مصدر لإشتقاق المواراة والتواري منه والمزيد فرع المجرد إلاأنه لم يستعمل فعله المجرد أصلا ثم جعل ظرف مكان ويضاف إلى الفاعل فيراد به المفعول وإلى المفعول فيراد به الفاعل أعني السائر ولصدقه على الضدين الخلف والإمام عد من الأضداد وليس موضوعا لهما وفي الموازنة للأموي تصريح بأنه ليس منها وإنما هو من المواراة والإستتار فما أستتر عنك فهو وراء خلفا كان أو قداماإذا لم تره فأما إذا رأيته فلا يكون وراءك والمراد هنا بما بعده قاله قتادة أو بما سواه وبه فسر وأحل لكم ما وراء ذلكم وأريد به القرآن كما عليه الجمهور وقال الواحدي هو والإنجيل وإحتمال أن يراد بما وراءه باطن معاني ما أنزل عليهم التي هي وراء ألفاظها وفيه إشعار بأن إيمانهم بظاهر اللفظ ليس بشيء إلا أن يراد بذلك الباطن القرآن ولا يخفى بعده
وهو الحق الضمير عائد لما وراءه حال منه وقيل : من فاعل يكفرون والجملة الحالية المقترنة بالواو لا يلزم أن يعود منها ضمير إلى ذي الحال كجاء زيد والشمس طالعة وعلى فرض اللزوم ينزل وجود الضمير فيما هو من تتمتها منزلة وجوده فيها والمعنى وهم مقارنون لحقيته أي عالمون بها وهو أبلغ في الذم من كفرهم بما هو حق في نفسه والأول أولى لظهوره ولا تفوت تلك الأبلغية عليه أيضا إذ تعريف الحق للإشارة إلى أن المحكوم عليه مسلم الإتصاف به معروفة من قبيل والدك العبد في فيد أن كفرهم به كان لمجرد العناد وقيل : التعريف لزيادة التوبيخ والتجهيل بمعنى أنه خاصة الحق الذي يقارن تصديق كتابهم ولولا الحال أعني مصدقا لم يستقم الحصر لأنه في مقابلة كتابهم وهو حق أيضا وفيه أنه لا يستقيم ولو لوحظ الحال بناء على تخصيص ذي الضمير بالقرآن لأن الإنجيل حق مصدق للتوراة أيضا نعم لو أريد بالحق الثابت المقابل للمنسوخ لأستقام الحصر مطلقا إلا أنه بعيد مصدقا لما معهم حال مؤكدة لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا فالتصديق لازم لا ينتقل وقد قررت مضمون الخبر لأنها كالإستدلال عليه ولهذا تضمنت رد قولهم نؤمن بما أنزل علينا حيث أن من لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدق بها وإحتمال أن يراد مما معهم التوراة والإنجيل كما في البحر لأنهما أنزلا على بني إسرائيل وكلاهما غير مخالف للقرآن مخالف لما يقتضيه الذوق سباقا وسياقا
قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل أمر النبي أن يقول ذلك تبكيتا لهم حيث قتلوا الأنبياء مع إدعاء الإيمان بالتوراة وهي لا تسوغه ويحتمل أن يكون أمرا لمن يريد جدا لهم كائنا من كان والفاء جواب شرط مقدر أي إن كنتم مؤمنين فلم إلخ و ما إستفهامية حذفت ألفها لأجل لام الجر ويقف البزي في مثل ذلك بالهاء وغيره بغيرها وإيراد صيغة المضارع مع الظرف الدال على المضي للدلالة على إستمرارهم على القتل في الأزمنة الماضية وقيل : لحكاية تلك الحال والمراد بالقتل معناه الحقيقي وإسناده إلى الأخلاف المعاصرين له صلى الله تعالى عليه وسلم مع أن صدوره من الأسلاف مجاز للملابسة بين الفاعل الحقيقي وما أسند إليه وهذا كما يقال لأهل قبيلة أنتم قتلتم زيداإذا كان القاتل آباءهم وقيل : القتل مجاز عن الرضا أؤ العزم عليه ولا يخفى أن الإعتراض على الوجه الأول أقوى تبكيتا منه على الآخرين فتدبر وفي إضافة أنبياء إلى الأسم الكريم تشريف عظيم وإيذان بأنه كان ينبغي لمن جاء من عند الله تعالى أن يعظم وينصر لا أن يقتل إن كنتم مؤمنين 19