كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

تكرير للإعتراض لتأكيد الإلزام وتشديد التهويل أي إن كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم وقد حذف من كل واحدة من الشرطيتين ما حذف ثقة بما أثبت في الأخرى على طريق الإحتباك وقيل : إن المذكور قبل جواب لهذا الشرط بناء على جواز تقديمه وهو رأي الكوفيين وأبي زيد وأختاره في البحر وقال الإرجاج : إن هنا نافية ولا يخفى بعده
ولقد جاءكم موسى بالبينات داخل تحت الأمر فهو من تمام التبكيت والتوبيخ وكذا مايأتي بعد لا تكرير لما قص من قبل والمراد بالبينات الدلائل الدالة على صدقه عليه السلام في دعوته والمعجزات المؤيدة لنبوته كالعصا واليد وإنفلاق البحر مثلا وقيل : الأظهر أن يراد بها الدلائل على الوحدانية فإنه أدخل في التقريع بما بعد وعندي الحمل على العموم بحيث يشمل ذلك ايضا أولى وأظهر ثم أتخذتم العجل أي الذي صنعه لكم السامري من حليكم إلها من بعده أي بعد مجيء موسى عليه السلام بها ومن عد التوراة وإنفجار الماء منها لم يرد الجميع بل الجنس لأن ذلك كان بعد قصة العجل وكلمة ثم على هذا للإستبعاد لئلا يلغو القيد وقد يقال : الضمير لمتقدم معنى وهو الذهاب إلى الطور فكلمة ثم على حقيقتها وعد ما ذكرنا من البينات حينئذ ظاهرويشير هذا العطف على أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات وذلك اعظم ذنبا وأكثر شناعة لحالهم وألتزم بعضهم رجوع الضمير إلى البينات بحذف المضاف أي من بعد تدبر الآيات ليظهر ذلك وعود الضمير إلى العجل والمراد بعد وجوده أي عبدتم الحادث الذي حدث بمحضركم ليكون فيه التوبيخ العظيم لا يخفى ما فيه من البعد العظيم المستغنى عنه بما أشرنا إليه وأنتم ظالمون 29 أي واضعون الشيء في غير محله اللائق به أو مخلون بآيات الله تعالى والجملة حال مؤكدة للتوبيخ والتهديد وهي جارية مجرى القرينة على إرادة العبادة من الإتخاذ وفيها تعريض بأنهم صرفوا العبادة عن موضعها الأصلي إلى غير موضعها وإيهام المبالغة من حيث أن إطلاق الظلم يشعر بأن عبادة العجل كل الظلم وأن من أرتكبها لم يترك شيئا من الظلم وأختار بعضهم كونها إعتراضا لتأكيد الجملة بتمامها دون تعرض لبيان الهيئة الذي تقتضيه الحالية أي وأنتم قوم عادتكم الظلم وأستمر منكم ومنه عبادة العجل والذي دعاه إلى ذلك زعم أنه يلزم على الحالية أن يكون تكرارا محضا فإن عبادة العجل لا تكون إلا ظلما بخلافه على هذا فإنه يكون بيانا لرذيلة لهم تقتضي ذلك وفيه غفلة عما ذكرنا وإذا حمل الإتخاذ على الحقيقة نحو إتخذت خاتما تكون الحالية أولى بلا شبهة لأن الإتخاذ لا يتعين كونه ظلما إلا إذا قيد بعبادته كما لا يخفى وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة أي قلنا لهم خذوا ما أمرتكم به في التوراة بجد وعدم فتور وأسمعوا أي سماع تقبل وطاعة إذ لا فائدة في الأمر بالمطلق بعد الأمر بالأخذ بقوة بخلافه على تقدير التقييد فإنه يؤكده ويقرره لإقتضائه كمال إبائهم عن قبول ما آتاهم إياه ولذا رفع الجبل عليهم وكثيرا ما يراد من السماع القبول ومن ذلك سمع الله لمن حمده وقوله : دعوت الله حتى خفت أن لا يكون الله يسمع ماأقول قالوا سمعنا وعصينا أي سمعنا قولك خذوا وأسمعوا وعصينا أمرك فلا نأخذ ولا نسمع سماع الطاعة وليس هذا جوابا ل أسمعوا بإعتبار تضمنه أمرين لأنه يبقى خذوا بلا جواب وذهب الجم إلى ذلك وأوردوا هنا سؤالا وجوابا حاصل الأول أن السماع في الأمر إن كان على ظاهره فقولهم سمعنا طاعة وعصينا مناقض

الصفحة 325