كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

فلم تقتلون إلى آخر الآيات المذكورة في رد دعواهم الإيمان أؤ الجملة الإنشائية السابقةإما بتأويل أو بلا تأويلوتقرير ذلك إن كنتم مؤمنين ما رخص لكم إيمانكم بالقبائح التي فعلكم بل منع عنها فتناقضتم في دعواكم له فتكون باطلا أو إن كنتم مؤمنين بها ف بئسما أمركم به إيمانكم بها أو فقد أمركم إيمانكم بالباطل لكن الإيمان بها لا يأمر به فإذن لستم بمؤمنين والملازمة بين الشرط والجزاء على الأول بالنظر إلى نفس الأمر وإبطال الدعوى بلزوم التناقض وعلى الثاني تكون الملازمة بالنظر إلى حالهم من تعاطي القبائح مع إدعائهم الإيمان والمؤمن من شأنه أن لا يتعاطى إلا ما يرخصه إيمانه وإبطال التالي بالنظر إلى نفس الأمر وأستظهر بعضهم في هذاونظائره كون الجزاء معرفة السابق أي إن كنتم مؤمنين تعرفون أنه بئس المأمور به وقيل : إن نافية وقيل : للتشكيكوإليه يشير كلام الكشافوفيه أن المقصد إبطال دعوتهم بإبراز إيمانهم القطعي العدم منزلة ما لا قطع بعدمه للتبكيت والإلزام لا للتشكيك على أنه لم يعهد إستعمال إن لتشكيك السامع كما نص عليه بعض المحققين وقرأ الحسن ومسلم بن جندب بهو إيمانكم بضم الهاء ووصلها بواو قل إن كانت لكم الدار الآخرة رد لدعوى أخرى لهم بعد رد دعوى الإيمان بما أنزل عليهم ولإختلاف الغرض لم يعطف أحدهما على الآخر مع ظهور المناسبة المصححة للذكر والآية نزلت فيما حكاه إبن الجوز يعندما قالت اليهود : إن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبنيه وقال أبو العالية والربيع : سبب نزولها قولهم : لن يدخل الجنة إلخ و نحن أبناء الله إلخ و لن تمسنا النار إلخ وروى مثله عن قتادة والضمير في قل إما للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو لمن يبغي إقامة الحجة عليهم والمراد من الدار الآخرة الجنة وهو الشائع وأستحسن في البحر تقدير مضاف أي نعيم الدار الآخرة
عند الله أي في حكمه وقيل : المراد بالعندية والمرتبة والشرف وحملها على عندية المكان كما قيل به إحتمالا بعيد خالصة من دون الناس أي مخصوصة بكم كما تزعمون والخالص الذي لا يشوبه شيء أو مازال عنه شوبه ونصب خالصة على الحال من الدار الذي هو أسم كان و لكم خبرها قدم للإهتمام أو لإفادة الحصروما بعده للتأكيد وهذا إن جوز مجيء الحال من أسم كان وهوالأصح ومن لم يجوز بناءا على أنه ليس بفاعل جعلها حالا من الضمير المستكن في الخبر وقيل : خالصة هو الخبر و لكم ظرف لغو ل كان أو ل خالصة ولا يخفى بعده فإنه تقييد للحكم قبل مجيئه ولا وجه لتقديم متعلق الخبر على الأسم مع لزوم توسط الظرف بين الأسم والخبر وأبعد المهدوي وإبن عطية أيضا فجعلا خالصة حالا و عندالله هو الخبر مع أن الكلام لا يستقل به وحده و دون هنا للإختصاص وقطع الشركة يقال : هذا لي دونك وأنت تريد لا حق لك فيه معي ولا نصيب وهو متعلق ب خالصة والمراد ب الناس الجنس وهو الظاهر وقيل : المراد بهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون وقيل : النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحده قاله إبن عباس رضي الله تعالى عنهما قالوا : ويطلق الناس ويراد به الرجل الواحدولعله لا يكون إلا مجازا بتنزيل الواحد منزلة الجماعة فتمنوا الموت إن كنتم صادقين 49 في أن الجنة خالصة لكم فإن من أيقن أنه من أهل الجنة إختار أن ينتقل إلى دار القرار وأحب أن يخلص من المقام في دار الأكدار كما روى عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له الحسن :

الصفحة 327