كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
ما هذا بزي المحاربين فقال : يا بني لا يبالي أبوك سقط على الموت أم سقط عليه الموت وكان عبدالله إبن رواحة ينشد وهو يقاتل الروم : ياحبذا الجنة وإقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها وقال عمار بصفين : غدا نلقي الأحبة محمدا وصحبه وروى عن حذيفة أنه كان يتمنى الموت فلما أحتضر قال : حبيب جاء على فاقة وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لما بلغه قتل من قتل ببئر معونة قال : ياليتني غودرت معهم في لحف الجبل ويعلم من ذلك أن تمني الموت لأجل الإشتياق إلى دار النعيم ولقاء الكريم غير منهي عنه إنما النهي عنه تمنيه لأجل ضر أصابهفإنه أثر الجزع وعدم الرضا بالقاضءوفي الخبر لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به وإن كان ولا بد فليقل : اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وأمتني ما كانت الوفاة خيرا لي والمراد بالتمني قول الشخص : ليت كذا وليت من أعمال القلب أو الإشتهاء بالقلب ومحبة الحصول مع القول فمعنى الآية سلوا الموت باللسان قاله إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أو أشتهوه بقلوبكم وسلوه بألسنتكم قاله قوموعلى التقديرين الأمر بالتمني حقيقة وإحتمال أن يكون المراد تعرضوا للموت ولا تحترزوا عنه كالمتمني فحاربوا من يخالفكم ولا تكونوا من أهل الجزية والصغار أو كونوا على وجه يكون المتمنون للموت المشتهون للجنة عليه من العمل الصالحمما لا تساعده الآثار فقد أخرج إبن أبي حاتم بسند صحيح عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفا لو تمنوا الموت لشر ق أحدهم بريقه وأخرج البيهقي عنه مرفوعا لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه والبخاري مرفوعا عنه أيضا لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا وقرأ إبن أبي إسحاق فتمنوا الموت بكسر الواو وحكى الحسن بن إبراهيم عن أبي عمر وفتحها وروى عنه أيضا إختلاس ضمتها ولن يتمنوه أبدا الظاهر أنه جملة مستأنفة معترضة غير داخلة تحت الأمر سيقت من جهته تعالى لبيان ما يكون مبهم من الأحجام الدال على كذبهم في دعواهم والمراد لن يتمنوه ما عاشوا وهذا خاص بالمعاصرين له صلى الله تعالى عليه وسلم على ما روى عن نافع رضي الله تعالى عنه قال : خاصمنا يهودي وقال : إن في كتابكم فتمنوا الموت إلخ فأنا أتمنى الموت فمالي لا أموت فسمع إبن عمر رضي الله تعالى عنهما فغضب فدخل بيته وسل سيفه وخرج فلما رآه اليهودي فر منه وقال إبن عمر : أما والله لو أدركته لضربت عنقه توهم هذا الكلب اللعين الجاهل أن هذا لكل يهودي أو لليهود في كل وقت لا إنما هو لأولئك الذين كانوا يعاندون ويجحدون نبوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن عرفوا وكانت المحاجة معهم باللسان دون السيف ويؤيد هذا ما أخرج إبن جرير عن إبن عباس موقوفا لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقى على وجه الأرض يهودي إلا مات وهذه الجملة إخبار بالغيب ومعجزة له صلى الله تعالى عليه وسلم وفيها دليل على إعترافهم بنبوته صلى الله تعالى عليه وسلم لأنهم لو لم يتيقنوا ذلك ما أمتنعوا من التمني وقيل : لا دليل بل الإمتناع كان بصرف الصرفة كما قيل في عدم معارضة القرآن والقول بأنه كيف يكون ذلك معجزة مع أنه لا يمكن أن يعلم أنه لم يتمن أحد والتمني أمر قلبي لا يطلع عليه مجاب عنه بأنا لا نسلم أن المراد بالتمني هنا الأمر القلبي بل هو أن يقول : ليت كذا ونحوه كما مر آنفا ولو سلم أنه أمر قلبي فهذا مذكور على طريق المحاجة وإظهار المعجزة فلا يدفع إلا بالإظهار والتلفظ كما إذا قال رجل لأمرأته : أنت طالق إن شئت أو أحببت فإنه يعلق بالأخبار لا بالإضمار فحيث ثبت عدم تلفظهم بالاخبار وبأنه لو وقع لنقل وأشتهر لتوفر الدواعي إلى نقله لأنه أمر عظيم يدور عليه أمر