كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
عظيم يدور عليه أمر النبوة فإنه بتقدير عدمه يظهر صدقه وبتقدير حصوله يبطل القول بنبوته ثبت كونه معجزة أيده بها ربه ومن حمل التمني على المجاز لايرد عنده هذا السؤال ولا يحتاج إلى هذا الجواب وقد علمت ما فيه وذهب جمهور المفسرين إلى عموم حكم الآية لجميع اليهود في جميع الأعصار ولست ممن يقول بذلك وإن أرتضاه الجم الغفير وقالوا : إنه المشهور الموافق لظاهر النظم الكريم اللهم إلا أن يكون ذلك بالنسبة إلى جميع اليهود المعتقدين نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم الجاحدين لها في جميع الأعصارلا بالنسبة إلى اليهود مطلقا في جميعها ومع هذا لي فيه نظر بعد بما قدمت أيديهم أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة للنار كالكفر بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم والقرآن وقتل الأنبياء و ما موصولة والعائد محذوف أو مصدرية ولا حذف واليد كناية عن نفس الشخصث ويكنى بها عن القدرة أيضا لما أنها من بين جوارح الإنسان مناط عامة صنائعه ومدار أكثر منافعه ولا يجعل الإسناد مجازيا واليد على حقيقتها فيكون المعنى بما قدموا بأيديهم كتحريف التوراة ليشمل ما قدموا بسائر الأعضاء وهوأبلغ في الذم والله عليم بالظالمين 59 تذييل للتهديد والتنبيه على أنهم ظالمون في إدعاء ما ليس لهم ونفيه عن غيرهم والمراد بالعلمإما ظاهر معناه أو أنه كنى به عن المجازاة وألإما للعهد وإيثار الإظهار على الإضمار للذم وإما للجنس فيدخل المعهودون فيه على طراز ما تقدم
ولتجدنهم أحرص الناس على حياة الخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتجدمن وجد بعقله بمعنى علم المتعدية إلى مفعولين والضمير مفعول أول و أحرص مفعول ثان وإحتمال أنها من وجد بمعنى لقي وأصاب فتتعدى إلى واحد و أحرص حال لا يتأتى على مذهب من يقول إن إضافة أفعل محضة كما سيأتي والضمير عائد على اليهود الذين أخبر عنهم بأنهم لا يتمنون الموت وقيل : على جميعهم وقيل : على علماء بني إسرائيل وألفي الناس للجنس وهو الظاهر وقيل : للعهد والمراد جماعة عرفوا بغلبة الحرص عليهم وتنكير حياة لأنه أريد بها فرد نوعي وهي الحياة المتطاولة فالتنوين للتعظيم ويجوز أن يكون للتحقير فإن الحياة الحقيقيةهي الأخروية وأن الدار الآخرة لهي الحيوان ويجوز أن يكون التنكير للإبهام بل قيل : إنه الأوجه أي على حياة مبهمة غير معلومة المقدار ومنه يعلم حرصهم على الحياة المتطاولة من باب الأولى وجوز أبو حيان أن يكون الكلام على حذف مضاف أو صفة أي طول حياة أو حياة طويلة وأنت تعلم أنه لا يحتاج إلى ذلك والجملة إما حال من فاعل قل وعليه الزجاجوإما معترضة لتأكيد عدم تمنيهم الموت وقرأ أبيعلى الحياةبالألف واللام ومن الذين أشركوا هم المجوس ووصفوا بالإشراك لأنهم يقولون بالنور والظلمة وكانت تحيتهم إذا عطس العاطس عش ألف سنة وقيل : مشركو العرب الذين عبدوا الأصنام وهذا من الحمل على المعنى كأنه قال : أحرص من الناس ومن الذين إلخ بناء على ما ذهب إليه إبن السراج وعبدالقاهر والجزولي وأبو علي من أن إضافة أفعل المضاف إذا أريد الزيادة على ما أضيف إليه لفظية لأن المعنى على إثبات من الإبتدائية والجار والمجرور في محل نصب مفعوله وسيبويه يجعلها معنوية بتقدير اللام والمراد بالناس على هذا التقدير ما عدا اليهود لما تقرر أن المجرور بمن مفضول عليه بجميع أجزائه أو الأعم ولا يلزم تفضيل الشيء على نفسه لأن أفعل ذو جهتين ثبوت أصل المعنى والزيادة فكونه من جملتهم بالجهة الأولى دون الثانية وجيء بمنفي الثانية لأن من شرط أفعل المراد به الزيادة على المضاف إليه أن يضاف إلى ما هو بعضه لأنه موضوع لأن يكون جزءا من جملة معينة بعده مجتمعة منه ومن أمثاله ولا شك أن اليهود غير داخلين في الذين أشركوا فإن الشائع في القرآن ذكرهما