كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

فاعل مزحزحه والمعنى ما أحدهم يزحزحه من العذاب تعميره وفيه إشارة إلى ثبوت من يزحزحه التعمير وهو من آمن وعمل طالحا ولا يجوز عند المحققين أن يكون الضمير المرفوع للشأن لأن مفسره جملة ولا تدخل الباء في خبر ما وليس إلا إذا كان مفردا عند غير الفراء وأجاز ذلك أبو علي وهو ميل منه إلى مذهب الكوفيين من أن مفسر ضمير الشأن يجوز أن يكون غير جملة إذا أنتظم إسنادا معنويا نحو ما هو بقائم زيد : نعم جوزوا أن يكون لما دل عليه يعمر و أن يعمر بدل منه أي ما تعيمره بمزحزحه من العذاب وأعترض بأن فيه ضعفا للفصل بين البدل والمبدل منه وللإبدال من غير حاجة إليه وأجاب بعض المحققين أنه لما كان لفظا لتعمير غير مذكور بل ضميره حسن الإبدال ولو كان التعمير مذكورا بلفظه لكان الثاني تأكيد الا بدلا ولكونه في الحقيقة تكريرا يفيد فائدته من تقرير المحكوم عليه إعتناء بشأن الحكم بناء على شدة حرصه على التعمير ووداده إياهجاز الفصل بينه وبين المبدل منه بالخبر كما في التاكيد في قوله تعالى : وهم بالآخرة هم كافرون وقيل : هو ضمير مبهم يفسره البدل فهو راجع إليه لا إلى شيء متقدم مفهوم من الفعل والتفسير بعد الإبهام ليكون أوقع في نفس السامع ويستقر في ذهنه كونه محكوما عليه بذلك الحكم والفصل بالظرف بينه وبين مفسره جائزكما يفهمه كلام الرضى في بحث أفعال المدح والذم وإحتمال أن يكون هو ضمير فصل قدم مع الخبر بعيد والزحزحة التبعيد وهو مضاعف من زح يزح زحا ككبكب من كبوفيه مبالغة لكنها متوجهة إلى النفي على حد ما قيل : وما ربك بظلام للعبيد فيؤل إلى أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثيرالتعمير وصح ذلك مع أن التعمير يفيد رفع العذاب مدة البقاء لأن الإمهال بحسب الزمان وإن حصل لكنهم لإقترافهم المعاصي بالتعمير زاد عليهم من حيث الشدة فلم يؤثر في إزالته أدنى تأثير بل راد فيه حيث أستوجبوا بمقابلة أيام معدودة عذاب الأبد والله بصير بما يعملون 69 أي عالم بخفيات أعماله مفهو مجازيهم لا محالة وحمل البصر على العل وإن كان بمعنى الرؤية صفة لله تعالى أيضا لأن بعض الأعمال لا يصح أن يرى على ما ذهب إليه بعض المحققين وفي هذه الجملة من التهديد والوعيد ما هو ظاهر و ما إما موصولة أو مصدرية وأتى بصيغة المضارع لتواخي الفواصل وقرأ الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب تعملون بالتاء على سبيل الإلتفات قل من كان عدوا لجبريل أخرج إبن أبي شيبة في مسنده وإبن جرير وإبن أبي حاتم عن الشعبي أنه دخل عمر رضي الله تعالى عنه مدارس اليهود يوما فسألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمدا على أسرارنا وأنه صاحب كل خسف وعذاب وميكائيل صاحب الخصب والسلام فقال : ما منزلتهما من الله تعالى قالوا : جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة فقال : لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ومن كان عدوا لأحدهما فهو عدو الله ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : لقد وافقك ربك يا عمر قال عمر : لقد رأيتني بعد ذلك أصلب من الحجر وقيل : نزلت في عبدالله بن صوريا كان يهوديا من أحبار فدكسأل رسول الله عمن ينزل عليه فقال : جبريل فقال : ذاك عدونا عادانا مرارا وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بخت نصر فبعثنا من يقتله فرآه ببابل فدفع عنه جبريل وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فبم تقتلونه وصدقه الرجل المبعوث ورجع إلينا وكبر بختنصر وقوى

الصفحة 331