كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

والقرينة على حذف الثاني الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم وإحتمال أن يكون من كان عدوا إلخ إستفهاما للإستعباد أو التهديد ويكون فإنه تعليل العداوة وتقييدا لها أو تعليل الأمر بالقول مما لا ينبغي أن يرتكب في القرآن العظيم والضمير الأول البارز لجبريل والثاني للقرآن كما يشير إليه الأحوال لأنها كلها من صفات القرآن ظاهراوقيل : الأول لله تعالى والثاني لجبريل أيفإن الله نزل جبريل بالقرآن على قلبكوفي كل من الوجهين إضمار يعود على ما يدل عليه السياق وفي ذلك من فخامة الشأن ما لا يخفى ولم يقل سبحانه عليك كما في قوله تعالى : ماأنزلنا عليك القرآن لتشقى بل قال : على قلبك لأنه القابل الأول للوحي إن أريد به الروح ومحل الفهم والحفظ إن أريد به العضو بناء على نفي الحواس الباطنةوقيل : كنى بالقلب عن الجملة الإنسانية كما يكنى ببعض الشيء عن كله وقيل : معنى نزله على قلبك جعل قلبك متصفا بأخلاق القرآن ومتأدبا بآدابه كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه وكان الظاهر أن يقول على قلبي لأن القائل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لكنه حكى ما قال الله تعالى له وجعل القائل كأنه الله تعالى لأنه سفير محض بإذن الله أي بأمره أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة أو بإختياره أو بتيسيره وتسهيله وأصل معنىالأذنفي الشيء الأعلام بإجازته والرخصة فيه فالمعاني المذكورة كلها مجازية والعلاقة ظاهرة والمنتخبكما في المنتخب المعنى الأول والمعتزلةلما لم يقولوا بالكلام النفسي وإسناد الأذن إليه تعالى بإعتبار الكلام اللفظي يحتاج إلى تكلف أقتصر الزمخشري على الوجه الأخير والقول : إن الأذن بمعنى الأمر إن أريد بالتنزيل معناه الظاهر وبمعنى التيسير إن أريد به التحفظ والفهيم مما لا وجه له
مصدقا لما بين يديه من الكتب الآلهية التي معظمها التوراة وإنتصاب مصدقا على الحال من الضمير المنصوب في نزله إن كان عائدا للقرآن وإن كان لجبريل فيحتمل وجهين أحدهما أن يكون حالا من المحذوف لفهم المعنى كما أشرنا إليه والثاني أن يكون حالا من جبريل والهاء إما للقرآن أو لجبريل فإنه مصدق أيضا لما بين يديه من الرسل والكتب وهدى وبشرى للمؤمنين 79 معطوفان على مصدقا فهما حالان مثله والتأويل غير خفي و خص المؤمنين بالذكر لأنه على غيرهم عمى وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى قيل : وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا : إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة وباطنة وإن الله تعالى سماه قرآنا وكتابا وعربيا وإن جبريل نزل به والملهم لا يحتاج إليه
من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل فإن الله عدو للكافرين 89 العدوللشخص ضد الصديق يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع وقد يؤنث ويثنى ويجمع وهو الذي يريد إنزال المضار به وهذا المعنى لايصح إلا فينا دونه تعالى فعداوة الله هنا مجاز إما عن مخالفته تعالى وعدم القيام بطاعته لما أن ذلك لازم للعداوة وإما عن عداوة أوليائه وأما عداوتهم لجبريل والرسل عليهم السلام فصحيحة لأن الأضرار جار ليهم غاية ما في الباب أن عداوتهم لاتؤثر لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم وصدر الكلام على الإحتمال الأخير بذكره لتفخيم شأن أولئك الأولياء حيث جعل عداوتهم عداوته تعالى وأفرد الملكان بالذكر تشريفا

الصفحة 333