كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

أعوانه وبعضها بنفسه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال
ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون 99 نزلت بسبب إبن صوريا كما روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما حين قال لرسول الله : ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آيات فنتبعك وجعلت عطفا على قوله تعالى : قل من كان عدوا إلخ عطف القصة عى القصة وما يكفر عطف على جواب القسم فإنه كما يصدر باللام بحرف النفي و الآيات القرآن والمعجزات والأخبار عما خفى وأخفى في الكتب السابقة أو الشرائع والفرائض أو مجموع ما تقدم كله والظاهر الأطلاق و الفاسقون المتمردون في الكفر الخارجون عن الحدود فإن من ليس على تلك الصفات من الكفرة لا يجتريء على الكفر بمثل هاتيك البينات قال الحسن : إذا أستعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم أفراد ذلك النوع من كفر أو غيره فإذا قيل : هو فاسق في الشرب فمعناه هوأكثر إرتكابا له وإذا قيل : هو فاسق في الزنا يكون معناه هو أشد إرتكابا له وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها واللام إما للعهد لأن سياق الآيات يدل على أن ذلك لليهود وإما للجنس وهم داخلون كما مر غير مرة أو كلما عاهدوا عهدا نزلت في مالك بن الصيف قال : والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق وقيل : في اليهود عاهدوا إن خرج لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب فلما بعث كفروا به وقال عطاء : في اليهود عاهدوا رسول الله بعهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير والهمزة للإنكار بمعنى ما كان ينبغي وفيه إعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها حتى صار سجية لهم وعادة وفي ذلك تسلية له وإشارة إلى أنه ينبغي أن لا يكترث بأمرهم وأن لا يصعب عليه مخالفتهم والواو للعطف على محذوف أي أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا وهو من عطف الفعلية على الفعلية لأن كلما ظرف نبذه والقرينة على ذلك المحذوف قوله تعالى : وما يكفر بها إلخ وبعضهم يقدر المعطوف مأخوذا من الكلام السابق ويقول بتوسط الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لغرض يتعلق بالمعطوف خاصة والتقدير عنده نقضوا هذا العهد وذلك العهد أو كلما عاهدوا وفيه مع إرتكاب ما لا ضرورة تدعو إليه أن الجمل المذكورة بقربه ليس فيها ذكر نقض العهد وقال الأخفش : هي زائدة والكسائي هيأو الساكنة حركت واوها بالفتح وهي بمعنى بل ولا يخفى ضعف القولين نعم قرأ إبن السماك العدوي وغيره أو بالإسكان وحينئذ لا بأس بأن يقال : إنها إضرابية بناء على رأي الكوفيين وأنشدوا بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملح والعطفعلى هذاعلى صلة الوصول الذي هواللامفي الفاسقون ميلا إلى جانب المعنى وإن كان فيه مسخ اللام الموصولة كأنه قيل : إلا الذين فسقوا بل كلما عاهدوا والقرينة على ذلك بل أكثرهم إلخ وفيه ترق إلى الأغلظ فالأغلظ ولك أن لا تميل مع المعنى بل تعطف على الصلة وألتدخل على الفعل بالتبعية في السعة كثيرا كقوله تعالى : إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا لإغتفارهم في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل
ومن الناس من جوز هذا العطف بإحتماليه على القراءة الأولى أيضا ولم يحتج إلى ذلك المحذوف وقرأ الحسن وأبو رجاء عوهدوا وإنتصاب عهدا على أنه مصدر على غير الصدر أي معاهدة ويؤيده أنه قريء عهدوا أو على أنه مفعول به بتضمين عاهدوا معنى أعطوا نبذة فريق منهم أي نقضه وترك العمل به وأصل النبذ

الصفحة 335