كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
يكذبون ما جاء به من القرآن ويتركونه ولايؤمنون به بعدما لزمهم تلقيه بالقبول وقيل : الإنجيل وليس بشيء وأضاف الكتاب إلى الأسم الكريم تعظيما له وتهويلا لما أجترؤا عليه من الكفر به
ورآ ظهورهم جمع ظهر معروف ويجمع أيضا على ظهران وقد شبه تركهم كتاب الله تعالى وإعراضهم عنه بحالة شيء يرمي به وراء الظهر والجامع عدم الإلتفات وقلة المبالاة ثم أستعمل ههنا ما كان مستعملا هناك وهو النبد وراء الظهر والعرب كثيرا ما تستعمل ذلك في هذا المعنى ومنه قوله : تميم بن مر لا تكونن حاجتي بظهر ولا يعيي عليك جوابها ويقولون أيضا : جعل هذا الأمر دبر أذنه ويريدون ما تقدم كأنهم لا يعلمون 101 جملة حالية أي نبذوه مشبهين بمن لا يعلم أنه كتاب الله تعالى أولا يعلمه أصلا أو لا يعلمونه على وجه الإتقان ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم وهذا على تقدير أن يراد الأحبار وفيه إيذان بأن علمهم به رصين لكنهم يتجاهلون وفي الوجهين الأولين زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة ومن فسر كتاب الله تعالى بالقرآن جعل متعلق العلم أنه كتاب الله أي كأنهم لا يعلمون أن القرآن كتاب الله تعالى مع ثبوت ذلك عندهم وتحقه لديهم وفيه إشارة إلى أنهم نبذوه لا عن شبهة ولكن بغيا وحسدا وجعل المتعلق أنه نبي صادق بعيد وقد دلت الآيتان قوله تعالى : أو كلما عاهدوا إلخ وقوله تعالى : ولما جاءهم إلخ بناء على إحتمال أن يكون الأكثر غير النابذين على أن جل اليهود أربع فرق ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون المشار إليهم ب بل أكثرهم لايؤمنون وفرقة جاهروا بنبذ العهود وتعدي الحدود وهم المعنيون بقوله تعالى : نبذ فريق منهم وفرقة لم يجاهروا ولكن نبدوا لجهلهم وهم الأكثر ونوفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها سرا وهم المتجاهلون وأتبعوا ما تتلوا الشياطين عطف على نبذ والضمير لفريق من الذين أوتوا الكتاب على ما تقدم عن السدي وقيل : عطف على مجموع ما قبله عطف القصة على القصة والضمير للذين تقدموا من اليهود أو الذين كانوا في زمن سليمان عليه السلام أو الذين كانوا في زمن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم أو ما يتناول الكل لأن ذاك غير ظاهر إذ يقتضي الدخول في حيز ل ما وإتباعهم هذا ليس مترتبا على مجيء الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه ان ما علمت من قول السدي يفتح باب الظهور اللهم إلا أن يكون المبني غيره وقيل : عطف على أشربوا وهو في غاية البعد بل لا يقدم عليه من جرع جرعة من الإنصاف والمراد بالإتباع التوغل والإقبال على الشيء بالكلية وقيل : الإقتداء و ما موصولة وتتلوا صلتها ومعناه تتبع أو تقرأ وهو حكاية حال ماضية والأصل تلت وقول الكوفيين إن المعنى ما كانت تتلوا محمول على ذلك لا أن كان هناك مقدرة والمتبادر من الشياطين مردة الجن وهو قول الأكثرين وقيل : المراد بهم شياطين الإنس وهو قول المتكلمين من المعتزلة وقرأ الحسن والضحاك الشياطون على حد ما رواه الأصمعي عن العرب بستان فلان حوله بساتون وهو من الشذوذ بمكان حتى قيل : إنه لحن على ملك سليمان متعلق ب تتلوا وفي الكلام مضاف محذوف أي عهد ملكه وزمانه أو الملك مجاز عن العهد وعلى التقديرين على بمعنى فيكما أنفيبمعنى على في قوله تعالى : لأصلبكم في جذوع النخل وقد صرح في التسهيل بمجيئها للظرفية ومثل له بهذه الآية لأن الملك