كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

وكذا العهد لا يصلح كونه مقرؤا عليه ومن الأصحاب من أنكر مجيء على بمعنى في وجعل هذا من تضمين تتلو معنى تتقول أو الملك عبارة عن الكرسي لأنه كان من آلات ملكه فالكلام على حد قرأت على المنبر والمراد بما يتلونه السحر فقد أخرج سفيان بن عيينة وإبن جرير والحاكم وصححه عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء فإذا سمع أحدهم بكلمة كذب عليها ألف كذبة فأشربتها قلوب الناس وأتخذوها دواوين فأطلع الله تعالى على ذلك سليمان بن داؤد فأخذها وقذفها تحت الكرسي فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال : ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع قالوا نعم فأخرجوه فإذا هوسحر فتناسختها الأمم فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا من السحر وقيل : روى أن سليمان كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه خوفا على أنه إذا هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه ثم بعد موته وإطلاع الناس على تلك الكتب أوهموهم أنها من علم سليمان ولا يخفى ضعف هذه الرواية وسليمان كما في البحرأسم أعجمي وأمتنع من الصرف للعلمية والعجمة ونظيره من الأعجمية في أن آخره ألف ونونها مان وما هان وشامان وليس إمتناعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون كعثمان لأن زيادتهما موقوفة على الإشتقاق والتصريف وهما لايدخلان الأسماء الأعجمية وكثير من الناس اليوم على خلافه وما كفر سليمان إعتراض لتبرئة سليمان عليه السلام عما نسبوه إليه فقد أخرج إبن جرير عن شهر بن حوشب قال : قال اليهود : أنظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان مع الأنبياء وإنما كان ساحرا يركب الريح وعبر سبحانه عن السحر بالكفر بطريق الكناية رعاية لمناسبة لكن الإستدراكية في قوله تعالى : ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر فإن كفروا معها مستعمل في معناه الحقيقي وجملة يعلمون حال من الضمير وقيل : من الشياطين ورد بأن لكن لا تعمل في الحال وأجيب بأن فيها رائحة الفعل وقيل بدل من كفروا وقيل إستئناف والضميرللشياطين أو للذين أتبعوا و السحر في الأصل مصدر سحر يسحر بفتح العين فيهما إذا أبدى ما يدق ويخفى وهو من المصادر الشاذة ويستعمل بما لطف وخفى سببه والمراد به أمر غريب يشبه الخارق وليس بهإذ يجري فيه التعلم ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بإرتكاب القبائح قولا كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك ومدح الشيطان وتسخيره وعملا كعبادة الكواكب وإلتزام الجناية وسائر الفسوق وإعتقادا كأستحسان ما يوجب التقرب إليه ومحبته إياه وذلك لا يستتب إلا بمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط التضام والتعاون فكما أن الملائكة لا تعاون إلا أخيار الناس المشبهين بهم في المواظبة على العبادة والتقرب إلى الله تعالى بالقول والفعل كذلك الشياطين لا تعاون إلا الأشرار المشبهين بهم في الخيانة والنجاسة قولا وفعلا وإعتقادا وبهذا يتميز الساحر عن النبي والولي فلا يرد ما قال المعتزلة : من أنه لو أمكن للإنسان من جهة الشيطان ظهور الخوارق والأخبار عن المغيبات لأشتبه طريق النبوة بطريق السحر وأما ما يتعجب منهكما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآةت المركبة على النسبة الهندسية تارة وعلى صيرورة الخلاء ملاء أخرى وبمعونة الأدوية كالنارنجيات أؤ يريه صاحب خفة اليدفتسميته سحرا على التجوز وهو مذموم أيضا

الصفحة 338