كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

من باب سد الذرائعوكم من أمر حرم لذلكوفي الحديث من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه وأما ثانيا فلأن توقف الفرق بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوع ألأ ترى أن أكثر العلماء أو كلهم إلا النادرعرفوا الفرق بينهما ولم يعرفوا علم السحروكفى فارقا بينهما ما تقدم ولو كان تعلمه واجبا لذلك لرأيت أعلم الناس به الصدر الأول مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك أفتراهم أخلوا بهذا الواجب وأتى به هذا القائل أو أنه أخل به كما أخلوا وأما ثالثا فلأن ما نقل عن بعضهم غير صحيح لأن إفتاء المفتي بوجوب القود أو عدمه لا يستلزم معرفته علم السحر لأن صورة إفتائه على ما ذكره العلامة إبن حجر إن شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه يقتل غالبا قتال الساحر وإلا فلا هذا وقد أطلق بعض العلماء السحر على المشي بين الناس بالنميمة لأن فيها قلب الصديق عدوا والعدو صديقا كما أطلق على حسن التوسل باللفظ الرائق العذب لما فيه من الإستمالة ويسمى سحرا حلالا ومنه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن من البيان لسحرا والقول بأنه مخرج مخرج الذم للفصاحة والبلاغة بعيد وإن ذهب إليه عامر الشعبي راوي الحديث وظاهر قوله تعالى : يعلمون إلخ أنهم يفهمونهم إياه بالإقراء والتعليم وقيل : يدلونهم على تلك الكتب فأطلق على تلك الدلالة تعليما إطلاقا للسبب على المسبب وقيل : المعنى يوقرون في قلوبهم أنها حق تضر وتنفع وأن سليمان عليه السلام إنما تم له ما تم بذلك والإطلاق عليه هو الإطلاق وقيل : يعلمون بمعنى يعلمون من الأعلام وهو الأخبار أي يخبرونهم بما أو بمن يتعلمون به أو منه السحر وقرأ نافع وعاصم وإبن كثير وأبو عمرو لكن بالتشديد وإبن عامر وحمزة والكسائي بالتخفيف وإرتفاع ما بعدها بالإبتداء والخبر وهل يجوز إعماله إذا خففت فيه خلاف والجمع على المنعوه والصحيح وعن يونس والأخفش الجواز والصحيح إنها بسيطة ومنهم من زعم أنها مركبة من لا النافيةوكاف الخطاب وأن المؤكدة المحذوفة الهمزة للإستثقال وهو إلى الفساد أقرب وما أنزل على الملكين المراد الجنس وهو عطف على السحر وهما واحد إلا أنه نزل تغاير المفهوم منزلة تغاير الذات كما في قوله :
إلى الملك القرم وإبن الهمام
البيت وفائدة العطف التنصيص بأنهم يعلمونما هو جامع بين كونه سحرا وبين كون نزلا على الملكين للإبلاى فيفيد ذمهم بإرتكابهم النهي بوجهين وقد يراد بالموصول المعهود وهو نوع آخر أقوى فيكون من عطف الخاص على العام إشارة إلى كماله وقال مجاهد : هو دون السحر وهوما يفرق به بين المرء وزوجه لا غير والمشهور الأول وجوز العطف على ما تتلوا فكأنه قيل : أتبعوا السحر المدون في الكتب وغيره وهذان الملكان أنزلا لتعليم السحر إبتلاء من الله تعالى للناس فمن تعلم وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما أمتحن قوم طالوت بالنهر وتمييزا بينه وبين المعجزة حيث أنه كثر في ذلك الزمان وأظهر السحرة أمورا غريبة وقع الشك بها في النبوة فبعث الله تعالى الملكين لتعليم أبواب السحر حتى يزيلا الشبه ويميطا الأذى عن الطريق قيل : كان ذلك في زمن إدريس عليه السلام وأما ما روى أن الملائكة تعجبت من بني آدم في مخالفتهم ما أمر الله تعالى به وقالوا له تعالى : لو كنا مكانهم ما عصيناك فقال : أختاروا ملكين منكم فأختاروهما فهبطا إلى الأرض ومثلا بشرين وألقى الله تعالى عليهما الشبق وحكما بين الناس فأفتتنا بأمرأة يقال لها زهرة فطلباها وأمتنع إلا أن يعبدا صنما أو يشربا خمرا أو يقتلا

الصفحة 340