كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

نفسا ففهلا ثم تعلمت منهما ما صعدت به إلى السماء فصعدت ومسخت هذا النجم وأرادا العروج فلم يمكنهما فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة فأختاروا عذاب الدنيا فهما الآن يعذبان فيها إلى غير ذلك من الآثار التي بلغت طرقها نيفا وعشرين فقد أنكره جماعة منهم القاضي عياض وذكر أن ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت لم يرد منه شيءلا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وليس هو شيئا يؤخذ بالقياسوذكر في البحر أن جميع ذلك لا يصح منه شيء ولم يصح أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يلعن الزهرة ولاإبن عمر رضي الله تعالى عنهما خلافا لمن رواه وقال الإمام الرازي بعد أن ذكر الرواية في ذلك إن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة ونص الشهاب العراقي على أن من إعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر بالله تعالى العظيم فإن الملائكة معصومون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون
لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون
يسبحون الليل والنهار لا يفترون والزهرة كانت يوم خلق الله تعالى السموات والأرض والقول بأنها تمثلت لهما فكان ما كان وردت إلى مكانها غير معقول ولا مقبول وأعترض الإمام السيوطي على من أنكر القصة بأن الإمام أحمد وإبن حبان والبيهقي وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على علي وإبن عباس وإبن عمر وإبن مسعود رضي الله تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوة مخرجيها وذهب بعض المحققين أن ما روى مروى حكاية لما قاله اليهود وهو باطل في نفسه وبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية ولا يرد ما قاله الإمام السيوطي عليه إنما يرد على المنكرين بالكلية ولعل ذلك من باب الرموز والإشارات فيراد من الملكين العقل النظري والعقل العملي اللذان هما من عالم القدس ومن المرأة المسماة بالزهرةالنفس الناطقة ومن تعرضهما لها تعليمهما لها ما يسعدها ومن حملها إياهما على المعاصي تحريضها إياهما بحكم الطبيعة المزاحية إلى الميل إلى السفليات المدنسة لجوهريهما ومن صعودها إلى السماء بما تعلمت منهما عروجها إلى الملأ الأعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب إنتصاحها لنصحهما ومن بقائهما معذبين بقاؤهما مشغولين بتدبير الجسد وحرمانهما عن العروج إلى سماء الحضرة لأن طائر العقل لا يحوم حول حماها ومن الأكابر من قال في حل هذا الرمز : إن الروح والعقل الذين هما من عالم المجردات قد نزلا من سماء التجرد إلى أرض التعلق فعشقا البدن الذي هو كالزهرة في غاية الحسن والجمال لتوقف كمالهما عليه فأكتسبا بتوسطه المعاصي والشرك وتحصيل اللذات الحسية الدنية ثم صعد إلى السماء بأن وصل بحسن تدبيرهما إلى الكمال اللائق به ثم مسخ بأن أنقطع التعلق وتفرقت العناصر وهما بقيا معذبين بعذاب الحرمان عن الإتصال بعالم القدس متألمين بالآلام الروحانية منكوسي الحال حيث غلب التعلق على التجرد وأنعكس القرب بالعبد وقيل : المقصود من ذلك الإشارة إلى أن من كان ملكا إن أتبع الشهوة هبط عن درجة الملائكة إلى درجة البهيمة ومن كان أمرأة ذات شهوة إذا كسرت شهوتها وغلبت عليها صعدت إلى درج الملك وأتصلت إلى سماء المنازل والمراتب وكتب بعضهم لحله مل وأيم الله نفسي نفسي وطال في مكث حياتي حبسي أصبح في مضاجعي وأمسي أمسي كيومي وكيومي أمسي ياحبذا يوم نزولي رمسي مبدأ سعدي وإنتهاء نحسي وكل جنس لاحق بالجنس من جوهر يرقى بدار الأنس

الصفحة 341