كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
بدل من الشياطين على قراءة التشديد و ما في وما أنزل نافية والمراد من الملكين جبرائيل وميكائيل لآن اليهود زعموا أن الله تعالى أنزلهما بالسحر وفي الكلام تقديم وتأخير والتقدير وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين هاروت وماروت كفروا يعلمون الناس السحر ببابل وعليه فالبدل إما بدل بعض من كل ونص عليهما بالذكر لتمردهما ولكونهما رأسا في التعليم أؤ بدل كل من كل إما بناء على أن الجمع يطلق على الإثنين أو على أنهما عبارتان عن قبيلتين من الشياطين لم يكن غيرهما بهذه الصفة وأعجب من قوله هذا قوله : وهذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها ولا تلتفت إلى ما سواه ولا يخفى لدى كل منصف أنه لا ينبغي لمؤن حمل كلام الله تعالىوهو في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة على ما هو أدنى من ذلك وما هو إلا مسخ لكتاب الله تعالى عز شأنه وإهباط له عن شأواه ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى وقيل أنهما بدل من الناس أي يعلمون الناس خصوصا هاروت وماروت والنفي هو النفي
وما يعلمان منأحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر أي ما يعلم الملكان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن إبتلاء من الله عزوجل فمن تعلم منا وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى ثبت على الإيمان فلا تكفر بإعتقاده وجواز العمل به وقيل : فلا تتعلم معتقدا إنه حق حتى تكفر وهو مبنيعلى رأي الإعتزالمن أن السحر تمويه وتخييل ومنأعتقد حقيته يكفر و من مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الإستغراق وإفرادالفتنةمع تعدد المخبر عنه لكونها مصدرا والحمل مواطأة للمبالغة والقصر لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه و حتى للغاية وقيل : بمعنى إلا والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير يعلمون والظاهر أن القول مرة واحدة والقول : بأنه ثلاث أو سبع أو تسع لأثبت له وأختلف في كيفية تلقي ذلك العلم منهما فقال مجاهد إنهما لا يصل إليهما أحد من الناس وإنما يختلف إليهما شيطانان في كل سنة إختلافة واحدة فيتعلمان منهما وقيل وهو الظاهر : إنهما كان يباشران التعليم بأنفسهما في وقت من الأوقات والأقرب أنهما ليسا إذ ذاك على الصورة الملكية وأما ماأخرجه إبن جرير وإبن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : قدمت علي أمرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به قالت : كان لي زوج غاب عني فدخلت على عجوز فشكوت إليها فقالت : إن فعلت ما آمرك أجعله يأتيك فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما فقالا : ما جاء بك فقلت : أتعلم السحر فقالا : إنما نحن فتنة فلا تكفري وأرجعي فأبيت وقلت : لا قالا : فأذهبي إلى ذلك التنور فبولي به إلى أن قالت : فذهبت فبلت فيه فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب إلى السماء وغاب عني حتى ما أراه فجئتهما ودكرت لهما فقالا : صدقتذلك إيمانك خرج منك أذهبي فلن تريدي شيئا إلا كان الخبر بطولهفهو ونظائرهمما ذكره المفسرون من القصص في هذا البابمما لايعول عليه ذوو الألباب والإقدام على تكذيب مثل هذه الأمرأة الدوجندية أولى من إتهام العقل في قبول هذه الحكاية التي لم يصح فيها شيء عن رسول رب البرية صلى الله تعالى عليه وسلم وياليت كتب الإسلام لم تشتمل على هذه الخرافات التي لا يصدقها العاقل ولو كانت أضغاث أحلام وأستدل بالآية من جوز تعلم السحر ووجهه أن فيها دلالة على وقوع التعليم من الملائكة مع عصمتهم والتعلم مطاوع له بل هما متحدان بالذات مختلفان بالإعتبار كالإيجاب