كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

لأن النفوس إذا داومت على شيء سهل عليها فأتى سبحانه بما ينكس رؤوسهم ويكسر ناموسهم ويشير إلى أن النسخ من جملة فضله العظيم وجوده العميم أو لأنه تعالى لما أشار إلى حقية الوحي ورد كلام الكارهين له رأسا عقبه بما يبين سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه فليتدبر
نأت بخير منها أو مثلها أي بشيء هو خير للعباد منها أؤ مثلها حكما كان ذلك أو عدمه وحيا متلوا أو غيره والخيرية أعم من أن تكون في النفع فقط أو في الثواب فقط أو في كليهما والمثلية خاصة بالثواب على ما أشار إليه بعض المحققين وفصله بأن الناسخ إذا كان ناسخا للحكم سواء كان ناسخا للتلاوة أو لا لابد أن يكون مشتملا على مصلحة خلا عنها الحكم السابق لما أن الأحكام إنما تنوعت للمصالح وتبدلها منوط بتبدلها بحسب الأوقات فيكون الناسخ خيرا منه في النفع سواء كان خيرا منه في الثواب أو مثلا له أو لا ثواب فيه أصلا كما إذا كان الناسخ مشتملا على الإباحة أو عدم الحكم وإذا كان ناسخا للتلاوة فقط لا يتصور الخيرية في النفع لعدم تبدل الحكم السابق والمصلحة فهو إما خير منه في الثواب أو مثل له وكذا الحال في الإنساء فإن المنسي إذا كان مشتملا على حكم يكون المأتي به خيرا في النفع سواء كان النفع لخلوه عن الحكم مطلقا أو لخلوه عن ذلك الحكم وإشتماله على حكم يتضمن مصلحة خلا عنها الحكم المنسي مع جواز خيريته في الثواب ومماثلته أيام خلوه عنه وإذا لم يكن مشتملا على حكم فالمأتي به بعده إما خير في الثواب أو مثل له والحاصل أن المماثلة في النفع لا تتصور لأنه على تقدير تبدل الحكم تتبدل المصلحة فيكون خيرا منه وعلى تقدير تبدله المصلحة الأولى باقية على حالها إنتهى ثم لا يخفى أن ما تقدم من التعميم مبني على جواز النسخ بلا بدل وجواز نسخ الكتاب بالسنةوهو المذهب المنصورومن الناس من منع ذلك ومنع النسخ ببدل أثقل أيضا وأحتج بظاهر الآية أما على الأول فلأنه لا يتصور كون المأتي به خيرا أو مثلا إلا في بدل وأما على الثاني فلأن الناسخ هو المأتي به بدلا وهو خير أو مثل ويكون الآتي به هو الله تعالى والسنة ليست خيرا ولا مثل القرآن ولا مما أتى به سبحانه وتعالى وأما على الثالث فلأن الأثقل ليس بخير من الأخف ولا مثلا له ورد ذلك أما الأول والثالث فلأنا لا نسلم أن كون المأتي به خيرا أو مثلا لا يتصور إلا في بدل وأن الأثقل لا يكون خيرا من الأخف إذ الأحكام إنما شرعت والآيات إنما نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلا منه تعالى ورحمة وذلك يختلف بإختلاف الأعصار والأشخاص كالدواء الذي تعالج به الأدواء فإن النافع في عصر قد يضر في غيره والمزيل علة شخص قد يزيل علة سواه فإذن قد يكون عدم الحكم أو الأثقل أصلح في إنتظام المعاش وأنظم في إصلاح المعاد والله تعالى لطيف حكيم ولا يرد أن المتبادر من نأت بخير منها بآية خير منها وإن عدم الحكم ليس بمأتي به لما أن الخلاف في جواز النسخ بلا بدل ليس في إتيان اللفظ بدل الآية الأولى بل في الحكم كما لا يخفى على من راجع الأصولوأما الثاني فلأنا لا نسلم حصر الناسخ بما ذكر إذ يجوز أن يعرف النسخ بغير المأتي به فإن مضمون الآية ليس إلا أن نسخ الآية يستلزم الإتيان بما هو خير منها أو مثل لها ولا يلزم منه أن يكون ذلك هوالناسخ فيجوز أن يكون أمرا مغايرا يحصل بعد حصول النسخ وإذا جاز ذلك فيجوز أن يكون الناسخ سنة والمأتي به الذي هو خير أو مثل آية أخرى وأيضا السنة مماأتى به الله سبحانه لقوله تعالى : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وليس المراد بالخيرية والمماثلة في الفظ حتى لا تكون السنة كذلك بل في النفع والثواب فيجوز أن يكون ما أشتملت عليه السنة خيرا في ذلك وأحتجت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن فإن التغير المستفاد

الصفحة 353