كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

المخاطبين يفيد مقارنة الكفر بالرد فيؤذن بأن الكفر يحصل بمجرد الإرتداد مع قطع النظر إلى ما يرد إليه ولذا لم يقللو يردونكمإلى الكفر وجوز أن يكون حالا من فاعل ود وأختار بعضهم أنه مفعول ثانليردونكمعلى تضمين الرد معنى التصيير إذ منهم من لم يكفر حتى يرد إليه فيحتاج إلى التغليب كما في لتعودن في ملتنا على أن في ذلك يكون الكفر المفروض بطريق القسر وهو أدخل في الشناعة وفي قوله تعالى : من بعد مع أن الظاهرعنلأن الرد يستعمل بها تنصيص بحصول الإيمان لهم وقيل : أورد متوسطا لإظهار كمال فظاعة ما أرادوه وغاية بعده عن الوقوع إما لزيادة قبحه الصاد للعاقل عن مباشرته وإما لممانعة الإيمان له كأنه قيل : من بعد إيمانكم الراسخ وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى حسدا علةلودلاليردونكملأنه يودون أرتدادهم مطلقا لا إرتدادهم المعلل بالحسد وجوزوا أن يكون مصدرا منصوبا على الحال أي حاسدين ولم يجمع لأنه مصدر وفيه ضعف لأن جعل المصدرحالاكما قال أبو حيانلا ينقاس وقيل : يجوز أن يكون منصوبا على المصدر والعامل فيه محذوف يدل عليه المعنى أي حسدوكم حسدا وهو كما ترى من عند أنفسهم متعلق بمحذوف وقع صفة إما للحسد أي حسدا كائنا من أصل نفوسهم فكأنه ذاتي لها وفيه إشارة إلى أنه بلغ مبلغا متناهيا وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم وإما للوداد المفهوم من ود أي ودادا كائنا من عند أنفسهم وتشيهيهم لا من قبل التدبر والميل إلى الحق وجعله ظرفا لغوا معمولالودأو حسدا كما نقل عن مكي يبعده أنهما لا يستعملان بكلمة من كما قاله إبن الشجري من بعد ما تبين لهم الحق بالنعوت المذكورة في التوراة والمعجزات وهذا كالدليل على تخصيص الكثير بالأحبار لأن التبين بذلك إنما كان لهم لا للجهال ولعل من قال : إن الودادة من عوامهم أيضا لئلا يبطل دينهم الذي ورثوه وتبطل رياسة أحبارهم الذين أعتقدوهم وأتخذوهم رؤوساء فالمراد من الكثير جميعهم من كفارهم ومنافقيهم ويكون ذكره لإخراج من آمن منهم سرا وعلانية يدعى أن التبين حصل للجميع أيضا إلا أن أسبابه مختلفة متفاوتة وهذا هو الذي يغلب على الظن فإن منشاهد هاتيك المعجزات الباهرة والآيات الزاهرة يبعد منه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع الصدق إلا أن الحظوظ النفسانية والشهوات الدنية والتسويلات الشيطانية حجبت من حجبت عن الإيمان وقيدت من قيدت في قيد الخذلان فأعفوا وأصفحوا العفو ترك عقوبة المذنب والصفح ترك التثريب والتأنيب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح ولعله مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضا أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما فيها وآثر العفو على الصبر على أذاهم إيذانا بتمكين المؤمنين ترهيبا للكافرين
حتى يأتي الله بأمره هو واحد الأوامر والمراد به الأمر بالقتال بقوله سبحانه قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر إلى وهم صاغرون أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير وقيل : واحد الأمور والمراد به القيامة أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة الأمة ومن الناس من فسر الصفح بالإعراض عنهم وترك مخالطتهم وجعل غاية العفو إتيان آية القتال وغاية الإعراض إتيان الله تعالى أمره وفسره بإسلام من أسلم منهم كما قاله الكلبي وليس بشيء لأنه يستلزم أن يحمل الأمر على واحد الأوامر وواحد الأمور وهو عند المحققين مع بين الحقيقة والمجاز وعن قتادةوالسدي وإبن عباس رضي الله تعالى عنهم إن الآية منسوخة بآية السيف وأستشكل

الصفحة 357