كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

ذلك بأن النسخ لكونه بيانا لمدة الإنتهاء بالنسبة إلى الشارع ودفعا للتأييد الظاهري من الإطلاق بالنسبة إينا يقتضي أن يكون الحكم المنسوخ خاليا عن التوقيت والتأييد فإنه لو كان مؤقتا كان الناسخ بيانا له بالنسبة إلينا أيضا ولو كان مؤيدا كان بدءا لا بيانا بالنسبة إلى الشارع والأمر ههنا مؤقت بالغاية وكونها غير معلومة يقتضي أن تكون آية القتال بيانا لإجماله وبذلك تبين ضعف ما أجاب به الإمام الرازي وتبعه فيه كثيرون من أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم يخرج الوارد من أن يكون ناسخا ويحل محل فأعفوا وأصفحوا إلى أن أنسخه لكم فليس هذا مثل قوله تعالى : ثم أتموا الصيام إلى الليل وأما تأييد الطيبي له بحكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر فيهما إنتهاء مدة الحكم بهما بإرسال النبي الأمي بنحو قوله تعالى : الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل وكان ظهوره صلى الله تعالى عليه وسلم نسخا فيرد عليه ما في التلويح من أن الواقع فيهما البشارة بشرع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإيجاب الرجوع إليه وذلك لا يقتضي توقيت الأحكام لإحتمال أن يكون الرجوع إليه بإعتبار كونه مفسرا أو مقررا أو مبدلا للبعض دون البعض فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة يفهم منها التأييد فتبديلها يكون نسخا وأجيب عن الإستشكال بأنه لا يبعد أن يقال : إن القائلين بالنسخ أرادوا به البيان مجازا أو يقال : لعلمهم فسروا الغاية بإماتتهم أو بقيام الساعة والتأييد إنما ينافي إطلاق الحكم إذا كان غاية للوجوب وأما إذا كان غاية المواجب فلا ويجري فيه النسخ عند الجمهور قاله مولانا الساليكوتي : إلا أن الظاهر لا يساعده فتدبر
إن الله على كل شيء قدير 901 تذييل مؤكد لما فهم من سابقه وفيه إشعار بالإنتقام من الكفار ووعد المؤمنين بالنصرة والتمكين ويحتمل على بعد أن يكون ذكرا لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديدا لمن يخالف أمره وأقيموا الصلاة واتوا الزكاة عطف على فأعفوا كأنه سبحانه أمرهم بالمخالفة والإلتجاء إليه تعالى بالعبادة البدنية والمالية لأنها تدفع عنهم ما يكرهون وقول الطبري : إنهم أمرو هنا بالصلاة والزكاة ليحبط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود راعنا منحط عن درجة الإعتبار
وما تقدموا لأنفسكم من خير أي أي خير كان وفي ذلك توكيد للأمر بالفو والصفح والصلاة والزكاةوترغيب إليه واللام نفعية وتخصيص الخير بالصلاة والصدقة خلاف الظاهر وقريء تقدموا من قدم من السفر وأقدمه غيره جعله قادما وهي قريب من الأولى لا من الأقدام ضد الأحجام
تجدوه عند الله أي تجدوا ثوابه لديه سبحانه فالكلام على حذف مضاف وقيل : الظاهر أن المراد تجدوه في علم الله تعالى والله تعالى عالم به إلا أنه بالغ في كمال علمه فجعل ثبوته في علمه بمنزلة ثبوت نفسه عنده وقد أكد تلك المبالغة بقوله سبحانه : إن الله بما تعملون بصير 011 حيث جعل جميع ما يعملون مبصرا له تعالى فعبر عن علمه تعالى بالبصر مع أن قليلا مما يعملون من المبصرات وكأنه لهذا فسر الزمخشري البصير بالعالم وأما قول العلامة إنه إشارة إلى نفي الصفات وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى إلا تعلق ذاته بالمعلومات ففيه أن التفسير لا يفيد إلا أن المراد من البصير ههنا العالم ولا دلالة على كونه الذات أو زائدا عليه ولا على أن ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى سوى التعلق المذكور وقريء يعملون بالياء والضمير

الصفحة 358