كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

حينئذ كناية عن كثير أو عن أهل الكتاب فيكون تذييلا لقوله تعالى فأعفوا إلخ مؤكدا لمضمون الغاية والمناسب أن يكون وعيدا لأولئك ليكون تسلية وتوطينا للمؤمنين بالعفو والصفح وإزالة لإستبطاء إتيان الأمر وجوز أن يكون كناية عن المؤمنين المخاطبين بالخطابات المتقدمة والكلام وعيد للمؤمنين ويستفاد من الإلتفات الواقع من صرف من الخطاب إلى الغيبة وهو النكتة الخاصة بهذا الإلتفات ولايخفى أنه كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى عطف على ود وما بينهما أنى فأعفوا وأصفحوا إما إعتراض بالفاء أو عطف على ود أيضا وعطف الإنشاء على الأخبار فيما لا محل له من الإعراب بما سوى الواو جائز والضميرلأهل الكتاب لا لكثيرمنهم كما يتبادر من العطف والمراد بهم اليهود والنصارى جميعا وكأن أصل الكلام قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارىفلف بين هذين المقولين وجعلا مقولا واحدا إختصارا وثقة يفهم السامع أن ليس المقصد أن كل واحد من الفريقين يقول هذا القول المردد وللعلم بتضليل كل واحد منهما صاحبه بل المقصد تقسيم القول المذكور بالنسبة إليهم فكلمة أو كما في معنى اللبيب للتفصيل والتقسيم لا للترديد فلا غباروهودجمع هائد كعوذ جمع عائذ وقيل : مصدر يستوي فيه الواحد وغيره وقيل : إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف وعلى القول بالجمعية يكون أسم كان مفردا عائدا على من بإعتبار لفظها وجمع الخبر بإعتبار معناها وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه ومنه قوله : وأيقظ من كان منكم نياما
وقرأ أبي يهوديا أو نصرانيافحمل الخبر والأسم معا على اللفظ
تلك أمانيهم الأماني جمع أمنية وهي ما يتمنى كالاضحوكة والأعجوبةوالجملة معترضة بين قولهم ذلك وطلب الدليل على صحة دعواهم و تلك إشارة إلى لن يدخل الجنة إلخ وجمع الخبر مع أن ما أشير إليه أمنية واحدة ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم وتكررها فيها وقيل : إشعارا بأنها بلغت كل مبلغ لأن الجمع يفيد زيادة الآحاد فيستعمل لمطلق الزيادة وهذا من بديع المجاز ونفائس البيان وقيل : لا حاجة إلى هذا كله بل الجمع لأن تلك محتوية على أمانأن لا يدخل الجنة إلا اليهود وأن لا يدخل الجنة إلا النصارىوحرمان المسلمين منها وأيضا فقائله متعدد وهو بإعتبار كل قائل أمنية وبإعتبار الجميع أمان كثيرة ومن الناس من جعلها إشارة إلى أنلا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأن يردوهم كفارا وأن لا يدخل الجنة غيرهموعليه يكون أمانيهم تغليبا لأن الأولين من قبيل المتمنيات حقيقة والثالث دعوى باطلة وجوز أيضا أن تكون إشارة إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم فإن جعل الأماني بمعنى الأكاذيب فإطلاق الأمنية على دعواهم على سبيل الحقيقة وإن جعل بمعنى المتمنيات فعلى الإستعارة تشبيها بالمتمني في الإستحالة ولا يخفى ما في الوجهين من البعد لا سيما أولهما لأن كل جملة ذكر فيهاودهملشيء قد أنفصلت وكملت وأستقلت في النزول فيبعد جدا أن يشار إليها
قل هاتوا برهانكم أي على ما أدعيتموه من إختصاصكم بدخول الجنة فهو متصل معنى بقوله تعالى : قالوا لن يدخل إلخ على أنه جواب له لا غير و هاتوا بمعنى أحضروا والهاء أصلية لا بدل من همزةآتواولا للتنبيه وهي فعل أمر خلافا لمن زعم أنها أسم فعل أو صوت بمنزلةهاوفي مجيء الماضي والمضارع والمصدر من هذه المادة خلاف وأثبت أبو حيانهاتي يهاتي مهاتاةوالبرهان الدليل على صحة الدعوى قيل : هو مأخوذ من البره

الصفحة 359