كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

اليهود على شيء لإحتجابهم عن الباطن بالظاهر وهم يتلون الكتاب وفيه ما يرشدهم إلى رفع الحجاب ورؤية حقية كل مذهب في مرتبته كذلك قال الذين لا يعلمون المراتب مثل قولهم فخطأ كل فرقة منهم الفرقة الأخرى ولم يميزوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية ولم يعرفوا وجه الحق في كل مرتبة من مراتب الوجود فالله تعالى الجامع لجميع الصفات على إختلاف مراتبها وتفاوت درجاتها يحكم بينهم بالحق في إختلافاتهم يوم قيام القيامة الكبرى وظهور الوحدة الذاتية وتجلي الرب بصور المعتقدات حتى ينكرونه فلا يسجد له إلا من لم يقيده سبحانه حتى بقيد الإطلاق ومن أظلم ممن منع مساجد الله نزلت في طيطوس بن إسيانوس الرومي وأصحابه وذلك انهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف ودبحوا فيه الخنازير وبقى خرابا إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وروى عطاء عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما إنها نزلت في مشركي العرب منعوا المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام وعلى الأول تكون الآية معطوفة على قوله تعالى : وقالت النصارى عطف قصة على قصة تقريرا لقبائحهم وعلى الثاني تكون إعتراضا بأكثر من جملة بين المعطوف أعني قالوا أتخذ والمعطوف عليه أعني قالت اليهود لبيان حال المشركين الذين جرى ذكرهم بيانا لكمال شناعة أهل الكتاب فإن المشركين الذين يضاهونهم إذا كانوا أظلم الكفرةوظاهر الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد وخصوص السبب لا يمنعه و أظلم أفعل تفضيل خبر عنمنولايراد بالإستفهام حقيقته وإنما هو بمعنى النفي فيؤل إلى الخبر أي لا أحد أظلم من ذلك وأستشكل بأن هذا التركيب قد تقرر في القرآن كمن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها فمن أظلم ممن أفترى على الله كذبا فمن أظلم ممن كذب بآيات الله إلى غير ذلك فإذا كان المعنى على هذا لزم التناقض وأجيب بالتخصيص إما بما يفهم من نفس الصلات أو بالنسبة إلى من جاء بعد من ذلك النوع ويؤل معناه إلى السبق في المانعية أو الإفترائية مثلا وأعترض بأن ذلك بعد عن مدلول الكلام ووضعه العربي وعجمة في اللسان يتبعها إستعجام المعنى فالأولى أن يجاب بأن ذلك لا يدل على نفي التسوية في الأظلمية وقصارى ما يفهم من الآيات أظلمية أولئك المذكورين فيها ممن عداهم كما أنك إذا قلت لا أحد أفقه من زيد وعمرو وخالد لا يدل على أكثر من نفي أن يكون أحد أفقه منهم وإما أنه يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر فلا ولا يرد أن من منع مساجد الله مثلا ولم يفتر على الله كذبا أقل ظلما ممن جمع بينهما فلا يكون مساويا في الأظلمية لأن هذه الآيات إنما هي في الكفار وهم متساوون فيها إذ الكفر شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة لإفراد من أتصف به وإنما تمكن بالنسبة لهم ولعصاة المؤمنين بجامع ماأشتركوا فيه من المخالفة قاله أبو حيان ولا يخفى ما فيه وقد قال غير واحد إن قولك : من أظلم ممن فعل كذا إنكار لأن يكون أحد أظلم منه أو مساويا له وإن لم يكن سبك التركيب متعرضا لإنكار المساواة ونفيها إلا أن العرف الفاشي والإستعمال المطرد يشهد له فإنه إذا قيل منأكرم من فلان أو لا أفضل من فلان فالمراد به حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل فلعل الأولى الرجوع إلى أحد الجوابين مع ملاحظة الحيثية وإن جعلت ذلك الكلام مخرجا مخرج المبالغة في التهديد والزجر مع قطع النظر عن نفي المساواة أو الزيادة في نفس الأمر كما قيل به محكما العرف أيضا زال الإشكال وأرتفع القيل والقال فتدبر أن يذكر فيها أسمه مفعول ثان لمنع أو مفعول من أجله بمعنى

الصفحة 363