كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

منعها كراهية أن يذكر أو بدل إشتمال من مساجد والمفعول الثاني إذن مقدر أي عمارتها أو العبادة فيها أو نحوه أو الناس مساجد الله تعالى أو لا تقدير والفعل متعد لواحد وكنى بذكر أسم الله تعالى عما يوقع في المساجد من الصلوات والتقربات إلى الله تعالى بالأفعال القلبية والقالبية المأذون بفعلها فيها
وسعى في خرابها أي هدمها وتعطيلها وقل الودي : إن عطف تفسير لأن عمارتها بالعبادة فيها أولئك الظالمون المانعون الساعون في خرابها
ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين اللامفي لهم إما للإختصاص على وجه اللياقة كما في الحل للفرس والمراد من الخوف الخوف من الله تعالى وإما للإستحقاق كما فيالجنة للمؤمنوالمراد من الخوفالخوف من المؤمنين وإما لمجرد الإرتباط بالحصول أي ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه أن يدخلوها فيما سيجيء إلا خائفين والجملة على الأول مستأنفة جواب لسؤال نشأ من قوله تعالى : وسعى في خرابها كأنه قيل : فما اللائق بهم والمراد من الظلم حينئذ وضع الشيء في غير موضعه
وعلى الثاني جواب سؤال ناشيء من قوله سبحانه : من أظلم ممن منع كأنه قيل : فما كان حقهم والمراد من الظلم التصرف في حق الغير وعلى الثالث إعتراض بين كلامين متصلين معنى وفيه وعد المؤمنين بالنصرة وتخليص المساجد عن الكفار وللإهتمام بذلك وسطه وقد أنجز الله تعالى وعده والحمد لله فقد روى أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا مسارقة وقال قتادة : لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا إنتهك ضربا وأبلغ إليه في العقوبة ولا نقض بإستيلاء الأقرع وبقاء بيت المقدس في أيدي النصارى أكثر من مائة سنة إلى أن أستخلصه الملك صلاح الدين لأن الإنجاز يستدعي تحقيقه في وقت ما ولا دلالة فيه على التكرار وقيل : النفي بمعنى النهي ومعناه على طريق الكنايةالنهي عن التخلية والتمكين من دخولهم المساجد وذلك يستلزمأن لا يدخلوها إلا خائفينمن المؤمنين فذكر اللازم وأريد الملزوم ولا يخفى أن النهي عن التخلية والتمكين المذكور في وقت قوة الكفار ومنعهم المساجد لا فائدة فيه سوى الإشعار بوعد المؤمنين بالنصرة والإستخلاص منهم فالحمل عليه منأول الأمر أولى وأختلف الائمة في دخول الكفار المسجد فجوزه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه مطلقا للآيةفإنها تفيد دخولهم بخشية وخشوعولأن وفد ثقيف قدموا عليه عليه الصلاة و السلام فأنزلهم المسجد ولقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن والنهي محمول على التنزيه أو الدخول للحرم بقصد الحج ومنعه مالك رضي الله تعالى عنه مطلقا لقوله تعالى : إنما المشركون نجس والمساجد يجب تطهيرها عن النجاسات ولذا يمنع الجنب عن الدخول وجوزه لحاجةوفرق الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بين المسجد الحرام وغيره وقال : الحديث منسوخ بالآية وقرأ عبدالله إلا حنيفا وهو مثل صيم لهم في الدنيا خزي أي عظيم بقتل أبطالهم وأقيالهم وكسر أصنامهم وتسفيه أحلامهم وإخراجهم من جزيرة العرب التي هي دار قرارهم ومسقط رؤوسهم أو بضرب الجزية على أهل الذمة منهم ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو عذاب النار لما أن سببه أيضا وهو ما حكى من ظلمهم كذلك في العظم وتقديم الظرف في الموضعين للتشويق لما يذكر بعده
ومن باب الإشارة في الآية ومن أبخس حظا وأنقص حقا ممن منع مواضع السجود لله تعالى وهي القلوب

الصفحة 364