كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

التي يعرف فيها فيسجد له بالفناء الذاتي أن يذكر فيها أسمه الخاص الذي هو الأسم الأعظم إذ لا يتجلى بهذا الأسم إلا في القلب وهو التجلي بالذات مع جميع الصفاتأو أسمه المخصوص بكل واحد منها أي الكمال اللائق بإستعداده المقتضي له وسعى في خرابها بتكديرها بالتعصبات وغلبة الهوى ومنع أهلها بتهييج الفتن اللازمة لتجاذب قوى النفس وداعي الشيطان والوهم أولئك ما كان لهم أن يدخلوها ويصلوا إليها إلا خائفين منكسرين لظهور تجلي الحق فيها لهم في الدنيا خزي وإفتضاح وذلة بظهور بطلان ما هم عليه ولهم في الآخرة عذاب عظيم وهو إحتجابهم عن الحق سبحانه ولله المشرق والمغرب أي الناحيتان المعلومتان المجاورتان لنقطة تطلع منها الشمس وتغرب وكنى بمالكيتهما عن مالكية كل الأرض وقال بعضهم : إذا كانت الأرض كروية يكون كل مشرق بالنسبة مغربا بالنسبة والأرض كلها كذلك فلا حاجة إلى إلتزام الكناية وفيه بعد فأينما تولوا أي ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة وقرأ الحسن تولوا على الغيبة فثم وجه الله أي فهناك جهته سبحانه التي أمرتم بها فإذا مكان التولية لايختص بمسجد دون مسجد ولا مكان دون آخر فأينما ظرف لازم الظرفية متضمن لمعنى الشرط وليس مفعولا ل تولوا والتوليةبمعنى الصرف منزل منزلة اللازم و ثم أسم إشارة للمكان البعيد خاصة مبني على الفتح ولا يتصرف فيه بغير من وقد وهم من أعربه مفعولا به في قوله تعالى وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وهو خبر مقدم وما بعده مبتدأ مؤخر الجملة جواب الشرط والوجه الجهة كالوزن والزنة وإختصاص الإضافة بإعتبار كونها مأمورا بها وفيها رضاه سبحانه وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل ومجاهد وقتادة وقيل : الوجه بمعنى الذات مثله في قوله تعالى : كل شيء هالك إلا وجهه إلا أنه جعل هنا كناية عن علمه وإطلاعه بما يفعل هناك وقال أبو منصور : بمعنى الجاه ويؤل إلى الجلال والعظمة والجملة على هذا إعتراض لتسلية قلوب المؤمنين بحل الذكر والصلاة في جميع الأرض لا في المساجد خاصة وفي الحديث الصحيح جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ولعل غيره عليه الصلاة و السلام لم تبح له الصلاة في غير البيع والكنائس وصلاة عيسى عليه السلام في أسفاره في غيرها كانت عن ضرورةفلا حاجة إلى القول بإختصاص المجموع وجوز أن تكون أينما مفعول تولوا بمعنى الجهة فقد شاع في الإستعمال أينما توجهوا بمعنى أي جهة توجهوابناء على ما روى عن إبن عمر رضي الله تعالى عنهماأن الآية نزلت في صلاة المسافر والتطوع على الراحلة وعلى ما روى عن جابر أنها نزلت في قوم عميت عليهم القبلة في غزوة كنت فيها معهم فصلوا إلى الجنوب والشمال فلما أصبحوا تبين خطؤهم ويحتملعلى هاتين الروايتين أن تكون أينما كما في الوجه الأول أيضا ويكون المعنى في أي مكان فعلتم أيتوليةلأن حذف المفعول به يفيد العموم وأقتصر عليه بعضهم مدعيا أن ما تقدم لم يقل به أحد من أهل العربية ومن الناس من قال : الآية توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة وإلا لكانت أحق بالإستقبال وهي محمولة على العموم غير مختصة بحال السفر أو حال التحري والمراد ب أينما أي جهة وبالوجه الذات ووجه الإرتباط حينئذ أنه لما جرى ذكرالمساجد سابقا أورد بعدها تقريبا حكم القبلةعلى سبيل الإعتراض وأدعى بعضهم أن هذا أصح الأقوال وفيه تأمل إن الله واسع أي محيط بالأشياء ملكا أو رحمة فلهذا وسع عليكم القبلة و يضيق عليكم عليم بمصالح العباد وأعمالهم

الصفحة 365