كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

في الأماكن والجملة على الأول تذييل لمجموع ولله المشرق والمغرب إلخ وعلى الثاني تذييل لقوله سبحانه : فأينما تولوا إلخ ومن الغريب جعل ذلك تهديدا لمن منع مساجد الله وجعل الخطاب المتقدم لهم أيضا فيؤول المعنى إلى أنه لا مهرب من الله تعالى لمن طغى ولا مفر لمن بغى لأن فلك سلطانه حدد الجهات وسلطان علمه أحاط بالأفلاك الدائرات أين المفر ولا مفر لهارب وله البسيطان الثرى والماء ومن باب الإشارة أن المشرق عبارة عن عالم النور والظهور وهو جنة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه والمغرب عالم الأسرار والخفاء وهو جنة اليهود وقبلتهم بالحقيقة باطنه أو المشرق عبارة عن إشراقه سبحانه على القلوب بظهور أنواره فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة الشهود والمغرب عبارة عن الغروب بتستره وإحتجابه وإختفائه بصفة جلاله حالة البقاء بعد الفناء ولله تعالى كل ذلك فأي جهة يتوجه المرء من الظاهر والباطن فثم وجه الله المتحلي بجميع الصفات المتجلي بما شاء منزها عن الجهات وقد قال قائل القوم : وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعدد إن الله واسع لا يخرج شيء عن إحاطته عليم فلا يخفى عليه شيء منأحوال خليقته ومظاهر صفته
قالوا أتخذ الله ولدا نزلت في اليهود حيث قالوا عزيز إبن الله وفي نصارى نجران حين قالوا المسيح إبن الله وفي مشركي العرب حيث قالوا الملائكة بنات الله فالضمير لما سبق ذكره من النصارى واليهود والمشركين الذين لا يعلمون وعطفه على قالت اليهود وقال أبو البقاء على وقالوا لن يدخل الجنة : وجوز أن يكون عطفا على منع أو على مفهوم من أظلمدون لفظه للإختلاف إنشائية وخبرية والتقدير ظلموا ظلما شديدا بالمنع وقالوا : وإن جعل من عطف القصة على القصة لم يحتج إلى تأويل والإستئناف حينئذ بياني كأنه قيل بعدما عدد من قبائحهم هل أنقطع خيط إسهابهم في الإفتراء على الله تعالى أم أمتد فقيل : بل أمتد فإنهم قالوا ما هو أشنع وأفظع والإتخاذ إما بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى إلا إلى واحد وإما بمعنى التصيير والمفعول الأول محذوف أي صير بعض مخلوقاته ولدا وقرأ إبن عباس وإبن عامر وغيرهما قالوا بواو على الإستئناف أو ملحوظا فيه معنى العطف وأكتفى بالضمير والربط به عن الواو كما في البحر سبحانه تنزيه وتبرئة له تعالى عما قالوا : بأبلغ صيغة ومتعلق سبحان محذوف كما ترى لدلالة الكلام عليه
بل له ما في السموات والأرض إبطال لما زعموه وإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من التشبيه بالمحدثات في التناسل والتوالد والحاجة إلى الولد في القيام بما يحتاج الوالد إليه وسرعة الفناء لأنه لازم للتركيب اللازم للحاجة وكل محقق قريب سريع ولأن الحكمة في التوالد هو أن يبقى النوع محفوظا بتوارد الأمثال فيما لا سبيل إلى بقاء الشخص بعينه مدة بقاء الدهر وكل ذلك يمتنع على الله تعالى فإنه الإبدي الدائم والغني المطلق المنزه عن مشابهة المخلوقات واللام في له قيل للملك وقيل : إنها كالتي في قولك لزيد ضربت فيد نسبة الأثر إلى المؤثر وقيل : للإختصاص بأي وجه كان وهو الأظهر والمعنى ليس الأمر كما أفتروا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها ما زعموه ولدا والخالق لكل موجود لا حاجة له إلى الولد إذ هو يوجد ما يشاء منزها عن الإحتياج إلى التوالد كل له قانتون 611 أي كل ما فيهما كائنا ما كان جميعا

الصفحة 366