كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

منقادون له لا يستعصي شيء منهم على مشيته وتكوينه إيجادا وإعداما وتغيرا من حال إلى حال وهذا يستلزم الحدوث والإمكان المنافي للوجوب الذاتي فكل من كان متصفا بهذه الصفة لا يكون والدا لأن من حق الولد أن يشارك والده في الجنس لكونه بعضا منه وإن لم يماثله وكان الظاهر كلمة من مع قانتون كيلا يلزم إعتبار التغليب فيه ويكون موافقا لسوق الكلام فإن الكلام في العزير والمسيح والملائكة وهم عقلاء إلا أنه جاء بكلمة ما المختصة بغير أولى العلم كما قاله بعضهم : محتجا بقصة الزبعري مخالفا لما عليه الرضى منأنها في الغالب لما لا يعلم ولما عليه الأكثرون من عمومها كما في التلويح وأعتبر التغليب في قانتون إشارة إلى أن هؤلاء الذين جعلوهم ولد الله تعالى سبحانه وتعالى في جنب عظمته جمادات مستوية الأقدام معها في عدم الصلاحية لإتخاذ الولد وقيل : أتى بما في الأول لأنه إشارة إلى مقام الألوهية والعقلاء فيه بمنزلة الجمادات ويجمع العقلاء في الثاني لأنه إشارة إلى مقام العبودية والجمادات فيه بمنزلة العقلاء
ويحتمل أن يقدر المضاف إليه كل ما جعلوه ولدا لدلالة المقول لا عاما لدلالة مبطله ويراد بالقنوت الأنقياد لأمر لتكليف كما أنه على العموم الإنقياد لأمر التكوين وحينئذ لا تغليب في قانتون وتكون الجملة إلزاما بأن ما زعموه ولدا مطيع لله تعالى مقر بعبوديته بعد إقامة الحجة عليهم بما سبق وترك العطف للتنبيه على إستقلال كل منهما في الدلالة على الفساد وإختلافهما في كون أحدهما حجة والآخر إلزاما وعلى الأول يكون الأخير مقررا لما قبله وذكر الجصاص إن في هذه الآية دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده لأنه نفى الولد بإثبات الملك بإعتبار أن اللام له فمتى ملك ولده عتق عليه وقد حكم صلى الله تعالى عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذا ملكه ولده ولا يخفى أن هذا بعيد عما قصد بالآية لا سيما إذا كان الأظهر الإختصاص كما علمت بديع السموات والأرض أي مبدعهما فهو فعيل من أفعل وكان الأصمعي ينكر فعيلا بمعنى مفعل وقال إبن بري : قد جاء كثيرا نحو مسخن وسخين ومقعد وقعيد وموصي ووصى ومحكم وحكيم ومبرم وبريم ومونق وأنيق في أخوات له ومن ذلك السميع في بيت عمرو بن معدي كرب السابق والإستشهاد بناءا على الظاهر المتبادر على ما هو الأليق بمباحث العربية فلا يرد ما قيل في البيت لأنه على خلافه كما لا يخفى على المنصف وقيل : هو من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها للتخفيف أي بديع سمواته وأنت تعلم أنه قد تقرر أن الصفة إذا أضيفت إلى الفاعل يكون فيها ضمير يعود إلى الموصوف فلا تصح الإضافة إلا إذا صح إتصاف الموصوف بها نحوحسن الوجه حيث يصح إتصاف الرجل بالحسن لحسن وجهه بخلاف حسن الجارية وإنما صح زيد كثير الأخوان لإتصافه بأنه متقو بهم وفيما نحن فيه وإن أمتنع إتصافه بالصفة المذكورة لكن يصح إتصافه بما دلت عليه وهو كونه مبدعا لهما وهذا يقتضي أن يكون الأولى بقاء المبدع على ظاهره وهو الذي عليه أساطين أهل اللغة والإبداع إختراع الشيء لا عن مادة ولا في زمان ويستعمل ذلك في إيجاده تعالى للمباديكما قاله الراغب وهو غير الصنع إذ هو تركيب الصورة بالعنصر ويستعمل في إيجاد الأجسام وغير التكوين فإنه ما يكون بتغير وفي زمان غالبا وإذا أريد من السموات والأرض جميع ما سواه تعالى من المبدعات والمصنوعات والمكونات لإحتوائها على عالم الملك والملكوت فبعد إعتبار التغليب يصح إطلاق كل من الثلاثة إلا أن لفظ الإبداع أليق لأنه يدل على كمال قدرته تعالى والقول بتعين حمل الإبداع على التكوين من مادة أو أجزاء لأن إيجاد السموات من شيء كما يشير إليه قوله تعالى : ثم أستوى إلى السماء

الصفحة 367