كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
وهي دخان ناشيء من الغفلة عما ذكرنا والآية حجة أخرى لإبطال تلك المقالة الشنعاء وتقريرها أنه تعالى مبدع لكل ما سواه فاعل على الإطلاق ولا شيء من الوالد كذلك ضرورة إنفعاله بإنفصال مادة الولد عنه فالله تعالى ليس بوالد وقرأ المنصور بديع بالنصب على المدح وقريء بالجر على أنه بدل من الضمير في له على رأي من يجوز ذلك وإذا قضى أمرا أي أراد شيئا بقرينة قوله تعالى : إنما أمرن إذا أراد شيئا وجاء القضاء على وجوه ترجع كلها إلى إتمام الشيء قولا أو فعلا وإطلاقه على الإرادة مجاز من إستعمال اللفظ المسبب في السبب فإن الإيجاد الذي هو إتمام الشيء مسبب عن تعلق الإرادة لأنه يوجبه وساوى إبن السيد بينه وبين القدر والمشهور التفرقة بينهما بجعل القدر تقديرا لأمور قبل أن تقع والقضاء إنفاذ ذلك القدر وخروجه من العدم إلى حد الفعل وصحح ذلك الجمهور لأنه قد جاء في الحديث أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مر بكهف مائل للسقوط فأسرع المشي حتى جاوزه فقيل : له أتفر من قضاء الله تعالى فقال : أفر من قضائه تعالى إلى قدره ففرق صلى الله تعالى عليه وسلم بين القضاء والقدر
فإنما يقول له كن فيكون 711 الطاهر أن الفعلين من كان التامة لعدم ذكر الخبر مع أنها الأصل أي أحدث فيحدث وهي تدل على معنى الناقصة لأن الوجود المطلق أعم من وجوده في نفسه أو في غيره والأمر محمول على حقيقته كما ذهب إليه محققو ساداتنا الحنفية والله تعالى قد أجرى سنته في تكوين الأشياء أن بكونها بهذه الكلمة وإن لم يمتنع تكوينها بغيرها والمراد الكلام الأزلي لأنه يستحيل قيام اللفظ المرتب بذاته تعالى ولأنه حادث فيحتاج إلى خطاب آخر فيتسلسل وتاخره عن الإرادة وتقدمه على وجود الكون بإعتبار التعلق ولما لم يشتمل خطاب التكوين على الفهم وأشتمل على أعظم الفوائد جاز تعلقه بالمعدوم وذهب المعتزلة وكثير من أهل السنة إلى أنه ليس المراد به حقيقة الأمر والإمتثال وإنما هو تمثيل لحصول ما تعلق به الإرادة بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف فهناك إستعارة تمثيلية حيث شبهت هيأة حصول المراد بعد تعلق الإرادة بلا مهلة وإمتناع بطاعة المأمور المطيع عقيب أمر المطاع بلا توقف وإباء تصويرا لحال الغائب بصورة الشاهد ثم أستعمل الكلام الموضوع للمشبه في المشبه به من غير إعتبار إستعارة في مفرداته وكان أصل الكلام إذا قضى أمرا فيحصل عقبيه دفعة فكأنما يقول له كن فيكون ثم حذف المشبه وأستعمل المشبه به مقامه وبعضهم يجعل في الكلام إستعارة تحقيقية تصريحية مبنية على تشبيه حال بقال ولعل الذي دعى هؤلاء إلى العدول عن الظاهر زعم إمتناعه لوجوه ذكرها بعض أئمتهم الأول أن قوله تعالى : كن إما أن يكون قديما أو محدثا لا جائز أن يكون قديما لتأخر النون ولتقدم الكاف والمسبوق محدث لا محالة وكذا المتقدم عليه بزمان مقدر أيضا ولأن إذا للإستقبال فالقضاء محدث و كن مرتب عليه بفاء التعقيب والمتأخر عن المحدث محدث ولا جائز أن يكون محدثا وإلا لدار أو تسلسل والثاني إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجودوخطاب المعدوم سفه وإما بعد دخوله ولا فائدة فيه
الثالث المخلوق قد يكون جمادا وتكليفه لا يليق بالحكمة الرابع إذا فرضنا القادر المريد منفكا عن قوله كن فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إليها وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادرا على الفعل إلا عند تلكمه ب كن فيلزم عجزه بالنظر إلى ذاته الخامس أنا نعلم بالضرورة إنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها فكذا إذا تكلم بها غيرنا