كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
السادس المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين أم أحدهما وهو خلاف المفروض إنتهى وأنت إذا تأملت ماذكرنا ظهر لك إندفاع جميع هذه الوجوه ويا عجبا لمن يقول بالكلام النفسي ويجعل هذا دالا عليه كيف تروعه هذه القعاقع أم كيف تغره هذه الفقاقع ! نعم لو ذهب ذاهب إلى هذا القول لما فيه من مزيد إثبات العظمة لله تعالى ما ليس في الأول لا لأن الأول باطل في نفسه كان حريا بالقبولولعلى أقول بهوالآية مسوقة لبيان كيفية الإبداع ومعطوفة على قوله تعالى : بديع السموات والأرض مشتملة على تقرير معنى الإبداع وفيها تلويح بحجة أخرى لإبطال ذلك الهذيان بأن إتخاذ الولد من الوالد إنما يكون بعد قصده بأطوار ومهلة لما أن ذلك لا يمكن إلا بعد إنفصال مادته نه وصيرورته حيوانا وفعله تعالى بعد إرادته أو تعلق قوله مستغن عن المهلة فلا يكون إتخاذ الولد فعله تعالى وكأن السب في هذه الضلالة أنه ورد إطلاق الأب على الله تعالى في الشرائع المتقدمة بإعتبار أنه السبب ألأول وكثر هذا الإطلاق في إنجيل يوحنا ثم ظنت الجهلة أن المراد به معنى الولادة فأعتقدوا ذلك تقليدا وكفروا ولم يجوز العلماء اليوم إطلاق ذلك عليه تعالى مجازا قطعا لمادة الفساد وقرأ إبن عامر فيكون بالنصب وقد أشكلت على النحاة حتى تجرأ أحمد بن موسى فحكم بخطئها وهو سوء أدب بل من أقبح الخطأ ووجهها أن تكون حينئذ جواب الأمر حملا على صورة اللفظ وإن كان معناه الخبر إذ ليس معناه تعليق مدلول مدخول الفاء بمدلول صيغة الأمر الذي يقتضيه سببية ما قبل الفاء لما بعدها اللازمة لجواب الأمر بالفاء إذ لا معنى لقولنا ليكن منك كون فكون وقيل : الداعي إلى الحمل على اللفظ أن الأمر ليس حقيقيا فلا ينصب جوابه وإن من شرط ذلك أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحوإئتني فأكرمك إذ تقديره إن تأتني أكرمك وهنا لايصح أنيكن يكنوإلا لزم كون الشيء سببا لنفسه وأجيب بأن المراد إن يكن في علم الله تعالى وإرادته يكن في الخارج فهو على حد من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله وبأن كون الأمر غير الحقيقي لاينصب في جوابه ممنوع فإن كان بلفظ فظاهر ولكنه مجاز عن سرعة التكوين وإن لم يعتبر فهو مجاز عن إرادة سرعته فيؤل إلى أن يراد سرعة وجود شيء يوجد في الحال فلا محذور للتغاير الظاهر ولايخفى ما فيه ووجه الرفع الإستئناف أي فهو يكون وهو مذهب سيبويه وذهب الزجاج إلى عطفه على يقول وعلى التقديرين لا يكون يكون داخلا في المقول ومن تتمته ليوجه العدول عن الخطاب بأنه من باب الإلتفات تحقيرا لشأن الأمر في سهولة تكونه ووجهه به غير واحد على تقدير الدخول
وقال الذين لا يعلمون عطف على قوله تعالى : وقالوا إتخذ الله ووجه الإرتباط أن الأول كان قدحا في التوحيد وهذا قدح في النبوة والمراد من الموصول جهلة المشركين وقد روى ذلك عن قتادة والسدي والحسن وجماعة وعليه أكثر المفسرين ويدل عليه قوله تعالى : لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا وقالوا لولا تأتنا بآية كما أرسل الأولون وقالوا لولا أنزل علينا الملائكة أونرى ربنا وقيل : المراد به اليهود الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بدليل ما روى عن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رافع بن خزيمة من اليهود قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن كنت رسولا من عند الله تعالى فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقوله تعالى : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك وقال مجاهد : المراد به النصارى ورجحه الطبري بأنهم المذكورون في الآية وهو كما ترى ونفى العلم على الأول عنهم على حقيقته لأنهم لم يكن لهم كتاب ولا هم أتباع نبوة