كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

وقرأ أبي و ما بدل و لا وإبن مسعود ولن بدل ذلك وقرأ نافع ويعقوب لا تسألعلى صيغة النهي إيذانا بكمال شدة عقوبة الكفار وتهويلا لها كما تقول كيف حال فلان وقد وقع في مكروه فيقال لك لا تسأل عنه أي أنه لغاية فظاعة ما حل به لايقدر المخبر على إجرائه على لسانه أو لا يستطيع السامع أن يسمعه والجملة على هذا إعتراض أو عطف على مقدر أي فبلغ والنهي مجازي ومن الناس من جعله حقيقة والمقصود منه بالذات نهيه عن السؤال عن حال أبويه على ما روى أنه عليه الصلاة و السلام سأل جبريل عن فبريهما فدله عليهما فذهب فدعا لهما وتمنى أن يعرف حالهما في الآخرة وقال : ليت شعري ما فعل أبواي فنزلتولا يخفى بعد هذه الرواية لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم كما في المنتخب عالم بما آل إليه أمرهما وذكر الشيخ ولي الدين العراقي أنه لم يقف عليها وقال الإمام السيوطي : لم يرد في هذا إلا أثر معضل ضعيف الإسناد فلا يعول عليه والذي يقطع به أن الآية في كفار أهل الكتاب كالآيات السابقة عليها والثانية لها لا في أبويه صلى الله تعالى عليه وسلم ولتعارض الأحاديث في هذا الباب وضعفها قال السخاوي : الذي ندين الله تعالى به الكف عنهما وعن الخوض في أحوالهما والذي أدين الله تعالى به أنا أنهما ماتا موحدين في زمن الكفر وعليه يحمل كلام الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إن صح بل أكاد أقول : إنهما أفضل من على القاري وأضرابه والجحيمالنار بعينها إذا شب وقودها ويقال : جحمت النار تجحم جحما إذا أضطربت
ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم بيان لكمال شدة شكيمتي هاتين الطائفتين إثر بيان ما يعمهما والمشركين مما تقدم ولا بين المعطوفين لتأكيد النفي وللأشعار بأن رضا كل منهما مباين لرضا الأخرى والخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفيه من المبالغة في إقناطه صلى الله تعالى عليه وسلم من إسلامهم ما لا غاية وراءه فإنهم حيث لم يرضوا عنه عليه الصلاة و السلام ولو خلاهم يفعلون ما يفعلون بل أملوا ما لا يكاد يدخل دائرة الإمكان وهو الإتباع لملتهم التي جاء بنسخها فكيف يتصور إتباعهم لملته صلى الله تعالى عليه وسلم وأحتيج لهذه المبالغة لمزيد حرصه صلى الله تعالى عليه وسلم على إيمانهم على ما روى أنه كان يلاطف كل فريق رجاء أن يسلموا فنزلت والملة في الأصل أسم من أمللت الكتاب بمعنى أمليته كما قال الراغب ومنه طريق ملولأي مسلوك معلومكما نقله الأزهري ثم نقلت إلى أصول الشرائع بإعتبار أنها يمليها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يختلف الأنبياء عليهم السلام فيها وقد تطلق على الباطل كالفكر ملة واحدة ولا تضاف إليه سبحانه فلا يقال ملة الله ولا إلى آحاد الأمة والدين يرادفها صدقا لكنه بإعتبار قبول المأمورين لأنه في الأصل الطاعة والإنقياد ولإتحاد ما صدقهما قال تعالى دينا قيما ملة إبراهيم وقد يطلق الدين على الفروع تجوزا ويضاف إلى الله تعالى وإلى الآحاد وإلى طوائف مخصوصة نظرا إلى الأصل على أن تغاير الإعتبار كاف في صحة الإضافة ويقع على الباطل أيضا وأما الشريعة فهي المورد في الأصل وجعلت أسما للأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاش والمعاد سواء كانت منصوصة من الشارع أو لا لكنها راجعة إليه والنسخ والتبديل يقع فيها وتطلق على الأصول الكلية تجوزا قاله بعض المحققين : ووحدت الملة وإن كان لهم ملتان للإيجاز أو لأنهما يجمعهما الكفر وهو ملة واحدة ثم إن هذا ليس إبتداء كلام منه تعالى بعدم رضاهم بل هو حكاية لمعنى كلام قالوه بطريق التكلم ليطابقه قوله سبحانه
قل إن هدى الله هو الهدى فإنه على طريقة الجواب لمقالتهم ولعلهم ما قالوا ذلك إلا لزعمهم أن دينهم

الصفحة 371