كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

من الربح بقرينة ما يأتي ومن الناس من حمل الموصول على أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وإليه ذهب عكرمة وقتادة فالمراد من الكتاب حينئذ القرآن ومنهم من حمله على الأنبياء والمرسلين عليهم السلام وإليه ذهب إبن كيسان فالمراد من الكتاب حينئذ الجنس ليشمل الكتب المتفرقة ومنهم من قال بما قلنا إلا أنه جوز عود الضمير به إلى الهدى أو إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو إلى الله تعالى وعلى التقديرين يكون في الكلام إلتفات من الخطاب إلى الغيبة أو من التكلم إليها ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من البعد البعيد
ومن يكفر به أي الكتاب بسبب التحريف والكفر بما يصدقه وإحتمالات نظير هذا الضمير مقولة فيه ايضا
فأولئك هم الخاسرون 121 من جهة أنهم أشتروا الكفر بالإيمان وقيل : بتجارتهم التي كانوا يعملونها بأخذ الرشا على التحريف
يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين 221
وأتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون 321 تكرير لتذكير بني إسرائيل وإعادة لتحذيرهم للمبالغة في النصح وللإيذان بأن ذلك فذلكه القصة والمقصود منهاوقد تفنن في التعبير فجاءت الشفاعة اولا بلفظ القبول متقدمة علىالعدل وهنا بلفظ النفع متأخرة عنه ولعله كما قيل إشارة إلى إنتفاء أصل الشيء وإنتفاء ما يترتب عليه وأعطى المقدم وجودا تقدمه ذكرا والمتأخر وجودا تأخره ذكرا وقيل : إن ما سبق كان للأمر بالقيام بحقوق النعم السابقة وما هنا لتذكير نعمة بها فضلهم على العالمين وهي نعمة الإيمان بنبي زمانهم وإنقيادهم لأحكامه ليغتنموها ويؤمنوا ويكونوا من الفاضلين لا المفضولين وليتقوا بمتابعته عن أهوال القيامة وخوفها كما أتقوا بمتابعة موسى عليه السلام وإذ أبتلى إبراهيم ربه بكلمات في متعلق إذ إحتمالات تقدمت الإشارة إليها في نظير الآية وأختار أبو حيان تعلقها ب قال اتي وبعضهم بمضمر مؤخر أي كان كيت وكيت والمشهور تعلقها بمضمر مقدم تقديره أذكر أو أذكروا وقت كذا والجملة حينئذ معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة والجامع الإتحاد في المقصد فإن المقصد منتذكيرهم وتخويفهم تحريضهم على قبول دينه وإتباع الحق وترك التعصب وحب الرياسة كذلك المقصد من قصة إبراهيم عليه السلام وشرح أحواله الدعوة إلى ملة الإسلام وترك التعصب في الدين وذلك لأنه إذا علم أنه نال الأمامة بالإنقياد لحكمه تعالى وأنه لم يستجب دعاءه في الظالمين وأن الكعبة كانت مطافا ومعبدا في وقته مأمورا هو بتطهيره وأنه كان يحج البيت داعيا مبتهلا كما هو في دين النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأن نبينا عليه الصلاة و السلام من دعوته وأنه دعا في حق نفسه وذريته بملة الإسلام كان الواجب على من يعترف بفضله وأنه من أولاده ويزعم إتباع ملته ويباهي بأنه من ساكن حرمه وحامي بيته أن يكون حاله مثل ذلك وذهب عصام الملة والدين إلى جواز العطف على نعمتي أي أذكروا وقت إبتلاء إبراهيم فإن فيه ما ينفعكم ويرد أعتقادكم الفاسد أن آباءكم شفعاؤكم يوم القيامة لأنه لم يقبل دعاء إبراهيم في الظلمةويدفع عنكم حب الرياسة المانع عن متابعة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم فأنه يعلم منه أنه لا ينال الرياسة الظالمين وأعترض بأنه خروج عن طريق البلاغة مع لزوم تخصيص الخطاب بأهل الكتاب وتخلل أتقوا بين المعطوفين والإبتلاء في الأصل الإختبار كما قدمنا

الصفحة 373