كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

كما يليق الثاني عوده على ربه مرفوعا والمعنى حينئذ يسر له العمل بهن وقواه على إتمامهن أو أتم له أجورهن أو أدامهن سنة فيه وفي عقبه إلى يوم الدين الثالث عوده على إبراهيم مرفوعا والمعنى عليه أتم إبراهيم الكلمات المدعو بها بأن راعى شروط الإجابة فيها ولم يأت بعدها بما يضيعها الرابع عوده إلى ربه منصوباوالمعنى عليه فأعطى سبحانه إبراهيم 9 جميع ما دعاه وأظهر الإحتمالات الأول والرابع إذ التمدح غير ظاهر في الثاني مع ما فيه من حذف المضاف على أحد محتملاته والإستعمال المألوف غير متبع في الثالث لأن الفعل الواقع في مقابلة الإختبار يجب أن يكون فعل المختبر أسم مفعول
قال إني جاعلك للناس إماما إستئناف بياني إن أضمر ناصب إذ كأنه قيل : فماذا كان بعد فأجيب بذلك أو بيان لأبتلى بناء على رأي من جعل الكلمات عبارة عما دكر أثره وبعضهم يجعل ذلك من بيان الكلي بجزئي من جزئيات هو إذا نصبت إذ ب قال كما ذهب إليه أبو حيان : يكون المجموع جملة معطوفة على ما قبلها على الوجه الذي مر تفصيله وقيل : مستطردة أو معترضة ليقع قوله تعالى : أم كنتم شهداء إن جعل خطابا لليهود موقعه ويلائم قوله سبحانه : قالوا كونوا هودا أو نصارى و جاعل منجعل بمعنى صير المتعدي إلى مفعولين و الثاني إما متعلق ب جاعل أي لأجلهم وإما في موضع الحال لأنه نعت نكرة تقدمت أي إماما كائنا لهم والإمام أسم للقدوة الذي يؤتم به ومنه قيل لخيط البناء : إمام وهو مفرد على قعال وجعله بعضهم أسم آلة لأن فعالا من صيغها كالإزار وأعترض بأنال إمام ما يؤتم به والإزار ما يؤتزر به فهما مفعولان ومفعول الفعل ليس بآلة لأنها الواسطة بين الفاعل والمفعول في وصول أثره إليه ولو كان المفعول آلة لكان الفاعل كذلك وليس فليس ويكون جمع آم أسم فاعل من أم يؤمك جائع وجياع وقائم وقيام وهو بحسب المفهوم وإن كان شاملا للنبي والخليفة وإمام الصلاة بل كل من يقتدي به في شيء ولو باطلا كما يشير إليه قوله تعالى : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار إلا أن المراد به ههنا النبي المقتدي به فإن من عداه لكونه مأموم النبي ليست إمامته كإمامته وهذه الإمامة إما مؤبدة كما هو مقتضى تعريف الناس وصيغة أسم الفاعل الدال على الإستمرار ولا يضر مجيء الأنبياء بعده لأنه لم يبعث نبي إلا وكان من ذريته ومأمورا بإتباعه في الجملة لا في جميع الأحكام لعدم إتفاق الشرائع التي بعده في الكل فتكون إمامته باقية بإمامة أولاده التي هي أبعاضه على التناوب وإما مؤقتة بناء على أن ما نسخ ولو بعضهلا يقال له مؤبد وإلا لكانت إمامة كل نبي مؤبدة ولم يشع ذلك فالمراد من الناس حينئذ أمته الذين أتبعوه ولك أن تلتزم القول بتأييد إمامة كل نبي ولكن في عقائد التوحيد وهي لم تنسخ بل لا تنسخ أصلا كما يشير إليه قوله تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم أقتده وعدم الشيوع غير مسلم ولئن سلم لا يضر والإمتنان على إبراهيم عليه السلام بذلك دون غيره لخصوصية أقتضت ذلك لا تكاد تخفي فتدبر
ثم لا يخفى أن ظاهر الآية يشير إلى أن الإبتلاء كان قبل النبوة لأنه تعالى جعل القيام بتلك الكلمات سببا لجعله إماما وقيل : إنه كان بعدها لأنه يقتضي سابقة الوحي وأجيب بأن مطلق الوحي لا يستلزم البعثة إلى الخلق وأنت تعلم أن ذبح الولد والهجرة والنار إن كانت من الكلمات يشكل الأمر لأن هذه كانت بعد النبوة بلا شبهة وكذا الختان أيضا بناء على ما روى أنه عليه الصلاة و السلام حين ختن نفسه كان عمره مائة وعشرين فحينئذ يحتاج إلى أن يكون إتمام الكلمات سبب الإمامة بإعتبار عمومها للناس وإستجابة دعائه في حق بعض ذريته ونقل الرازي عن القاضي أنه على هذا يكون المراد من قوله تعالى : فأتمهن أنه سبحانه وتعالى علم من حاله أنه

الصفحة 375