كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

بناء على أن الظلم خلاف العدل ووجه الإستدلال حينئذ أن الآية دلت على أن نيل الأمامة لا يجامع الظلم السابق فإذا تحقق النيل كما في الأنبياء علم عدم إتصافهم حال النيل بالظلم السابق وذلك إما بأن لا يصدر منهم ما يوجب ذلك أو بزواله بعد حصوله بالتوبة ولا قائل بالثاني إذا لخلاف إنما هو في أن صدور الكبيرة هل يجوز قبل البعثة أم لا فيتعين الثاني وهو العصمة أو المراد بها ههنا عدم صدور الذنب لا الملكة وكذا إذا تحقق الإتصاف بالظلم كما في الفاسق علم عدم حصول الأمامة بعد ما دام إتصافه بذلك وإستفادة عدم صلاحية الفاسق للأمامة على ما قررنا من منطوق الآية وجلها من دلالة النص أو القياس المحوج إلى القول بالمساواة ولا أقل أو إلتزام جامع وهما مناط العيوق إنما يدعو إليه حمل الأمامة على النبوة وقد علمت أن المبني الحمل على الأعم وكان الظاهر أن الظلم الطاريء والفسق العارض يمنع عن الأمامة بقاءا كما منع عنها إبتداءا لأن المنافاة بين الوصفين متحققة في كل آنوبه قال بعض السلفإلا أن الجمهور على خلافه مدعين أن المنافاة في الإبتداء لا تقتضي المنافاة في البقاء لأن الدفع أسهل من الرفع وأستشهدوا له بأنه لو قال لأمرأة مجهولة النسب يولد مثلها لمثله : هذه بنتي لم يجز له نكاحها ولو قال لزوجته الموصوفة بذلك لم يرتفع النكاح لكن إن أصر عليه يفرق القاضي بينهما وهذا الذي قالوه إنما يسلم فيما إذا لم يصل الظلم إلى حد الكفر أما إذا وصل إليه فإنه ينافي الأمامة بقاءا أيضا بلا ريب وينعزل به الخليفة قطعا ومن الناس من أستدل بالآية على أن الظالم إذا عوهد لم يلزم الوفاء بعهده وأيد ذلك بما روى عن الحسن أنه قال : إن الله تعالى لم يجعل للظالم عهدا وهو كما ترى وقرأ أبو الرجاء وقتادة والأعمش الظالمون بالرفع على أن عهدي مفعول مقدم على الفاعل إهتماما ورعاية للفواصل وإذ جعلنا البيت عطف على وإذ إبتلى والبيت من الأعلام الغالبة للكعبة كالنجم للثريا مثابة للناس أي مجمعا لهم قاله الخليل وقتادةأو معاذا وملجأ قاله إبن عباس رضي الله تعالى عنهما أو مرجعا يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم قاله مجاهد وجبيرأو مرجعا يحق أن يرجع ويلجأ إليه قاله بعض المحققين أو موضع ثواب يثابون بحجه وإعتماره قاله عطاء وحكاه الماوردي عن بعض أهل اللغة والتاء فيه وتركه لغتان كما في مقام ومقامة وهي لتأنيث البقعة وهو قول الفراء والزجاج وقال الأخفش : إن التاى فيه للمبالغة كما في نسابة وعلامة وأصله مثوبة على وزن مفعلة مصدر ميمي أو ظرف مكان واللام في الناس للجنس وهو الظاهر وجوز حمله على العهد أو الإستغراق العرفي وقرأ الأعمش وطلحة مثابات على الجمع لأنه مثابة كل واحد من الناس لا يختص به أحد منهم سواء العاكف فيه والباد فهو وإن كان واحدا بالذات إلا أنه متعدد بإعتبار الإضافات وقيل : إن الجمع بتنزيل تعدد الرجوع منزلة تعدد المحل أو بإعتبار أن كل جزء منه مثابة وأختار بعضهم ذلك زعما منه أن الأول يقتضي أن يصح التعبير عن غلام جماعة بالمملوكين ولم يعرف وفيه أنه قياس مع الفارق إذ له إضافة المملوكية إلى كلهم لا إلى كل واحد منهم وأمنا عطف على مثابة وهو مصدر وصف به للمبالغة والمراد موضع أمن إما لسكانه من الخطف أو لحجامه من العذاب حيث إن الحج يزيل ويمحو ما قبله غير حقوق العباد والحقوق المالية كالكفارة على الصحيح أو للجاني الملتجيء إليه من القتل وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إذ عنده لا يستوفي قصاص النفس في الحرم لكن يضيق على الجاني ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه من وجب عليه الحد وألتجأ إليه يأمر الإمام بالتضييق عليه بما يؤدي إلى خروجه فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل فإن لم يخرج جاز قتله فيه

الصفحة 378