كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

بعد إبراهيم كان موضوعا في جوف الكعبة ولعل هذا هو الوجه في تخصيص هذا الموضع بالتحويل وما وقع في الفتح من أنه كان المقام من عهد إبراهيم لزيق البيت معناه بعد إتمام العمارة فلا ينافي أن يكون في أثنائها في الموضع الذي فيه اليوم كذا ذكره بعض المحقيين فليفهم وسبب النزول ما أخرجه أبو نعيم من حديث إبن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه فقال : يا عمر هذا مقام إبراهيم فقال عمر : أفلا نتخذه مصلى فقال : لم أومر بذلك فلم تغب الشمس حتى نزلت هذه الآية والأمر فيها للإستحباب إذ المتبادر من المصلى موضع الصلاة مطلقا وقيل : المراد به الأمر بركعتي الطواف لما أخرجه مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ الآية فالأمر للوجوب على بعض الأقوال ولا يخفى ضعفه لأن فيه التقييد بصلاة مخصوصة من غير دليل وقراءته عليه الصلاة و السلام الآية حين أداء الركعتين لا يقتضي تخصيصه بهما وذهب النخعي ومجاهد إلى أن المراد من مقام إبراهيم الحرم كله وإبن عباس وعطاء إلى أنه مواقف الحج كلها والشعبي إلى أنه عرفة ومزدلفة والجمار ومعنى إتخاذها مصلى أن يدعى فيها ويتقرب إلى الله تعالى عندها والذي عليه الجمهور وهو ما قدمناه أولا وهو الموافق لظاهر اللفظ ولعرف الناس اليوم وظواهر الأخبار تؤيده وقرأ نافع وإبن عامر وأتخذوا بفتح الخاء على أنه فعل ماض وهو حينئذ معطوف على جعلنا أيواتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي عرف به وأسكن ذريته عنده وهو الكعبة قبلة يصلون إليها فالمقام مجاز عن ذلك المحل وكذا المصلى بمعنى القبلة مجاز عن المحل الذي يتوجه إليه في الصلاة بعلاقة القرب والمجاورة وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أي وصينا أو أمرنا أو أوحينا أو قلنا والذي عليه المحققون أن العهد إذا تعدى ب إلى يكون بمعنى التوصية ويتجوز به عن الأمر وإسماعيل علم أعجمي قيل : معناه بالعربية مطيع الله وحكى أن إبراهيم عليه السلام كان يدعو أن يرزقه الله تعالى ولدا ويقول : أسمع إي لأي أستجب دعائي ياالله فلما رزقه الله تعالى ذلك سماه بتلك الجملة وأراه في غاية البعد وللعرب فيه لغتان اللام والنون أن طهرا بيتي أي بأن ظهرا على أن أن مصدرية وصلت بفعل الأمر بيانا للموصى المأمور به وسيبويه وأبو علي جوزا كون صلة الحروف المصدرية أمرا أو نهيا والجمهور منعوا ذلك مستدلين بأنه إذا سبك منه مصدر فات معنى الأمر وبأنه يجب في الموصول الأسمى كون صلته خبرية والموصول الحرفي مثله وقدروا هنا قلنا ليكون مدخول الحرف المصدري خبرا ويرد عليهم أولا أن كونه مع الفعل بتأويل المصدر لا يستدعي إتحاد معناهما ضرورة عدم دلالة المصدر على الزمان مع دلالة الفعل عليه وثانيا أن وجوب كون الصلة خبرية في الموصول الأسمي إنما هو للتوصل إلى وصف المعارف بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت خبرية وأما الموصول الحرفي فليس كذلك وثالثا أن تقدير قلنا يفضي إلى أن يكون المأمور به القول وليس كذلك وجوز أن تكون أن هذه مفسرة لتقدم ما يتضمن معنى القول دون حروفه وهو العهد ويحتاج حينئذ إلى تقدير المفعول إذ يشترط مع تقدم ما ذكر كون مدخولها مفسرا لمفعول مقدر أو ملفوظ أي قلنالهما شيئا هو أن طهرا والمراد من التطهير التنظيف من كل ما لا يطيق فيدخل فيه الأوثان والأنجاس وجميع الخبائث وما يمنع منه شرعا كالحائض وخص مجاهد وإبن عطاء ومقاتل وإبن جبير التطهير بإزالة الأوثان وذكروا أن البيت كان عامرا على عهد نوح عليه السلام وأنه كان فيه أصنام على أشكال صالحيهموأنه طال

الصفحة 380