كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
العهد فعبدت من دون الله تعالى فأمر الله تعالى بتطهيره منها وقيل : المراد بخراه ونظفاه وخلقاه وارفعا عنه الفرث والدم الذي كان يطرح فيه وقيل : أخلصاه لمن ذكر بحيث لا يغشاه غيرهم فالتطهير عبارة عن لازمه ونقل عن السدي أن المراد به البناء والتاسيس على الطهارة والتوحيد وهو بعيد وتوجيه الأمر هنا إلى إبراهيم وإسماعيل لا ينافي ما في سورة الحج من تخصيصه بإبراهيم عليه السلام فإن ذلك واقع قبل بناء البيت كما يفصح عنه قوله تعالى : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت وكان إسماعيل حينئذ بمعزل من مثابة الخطاب وظاهر أن هذا بعد بلوغه مبلغ الأمر والنهي وتمام البناء بمباشرته كما ينبيء عنه إيراده إثر حكاية جعله مثابة وإضافة البيت إلى ضمير الجلالة للتشريف ك ناقة الله لا إنه مكان له تعالى عن ذلك علوا كبيرا للطائفين أي لأجلهم فاللام تعليلية وإن فسر التطهير بلازمه كانت ضلة له والطائفأسم فاعل من طاف به إذا دار حوله والظاهر أن المراد كل من يطوف من حاضر أو باد وإليه ذهب عطاء وغيره وقال إبن جبير : المراد الغرباء الوافدون مكة حجابا وزوارا
والعاكفين وهم أهل البلد الحرام المقيمون عند إبن جبير وقال عطاء : هم الجالسون من غير طواف من بلدي وغريب وقال مجاهد : المجاورون له من الغرباء وقيل : هم المعتكفون فيه والركع السجود 521 وهم المصلون جمع راكع وساجد وخص الركوع والسجود بالذكر من جميع أحوال المصلى لأنهما أقرب أحواله إليه تعالى وهما الركنان الأعظمان وكثيرا ما يكنى عن الصلاة بهما ولذا ترك العطف بينهما ولم يعبر بالمصلين مع إختصاره إيذانا بأن المعتبر صلاة ذات ركوع وسجود لا صلاة اليهود وقدم الركوع لتقدمه في الزمان وجمعا جمع تكسير لتغير هيأة المفرد مع مقابلتهما ما قبلهما من جمعي السلامة وفي ذلك تنويع في الفصاحة وخالف بين وزني تكسيرهما للتنويع مع المخالفة في الهيآت وكان آخرهما على فعول لأجل كونه فاصلة والفواصل قبل وبعد آخرها حرف قبله حرف مدولين وإذ قال إبراهيم رب أجعل هذا بلدا آمنا الإشارة إلى الوادي المذكور بقوله تعالى ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم أي أجعل هدا المكان القفر بلدا إلخ فالمدعو به البلدية مع الأمن وهذا بخلاف ما في سورة إبراهيم رب أجعل هذا البلد آمنا ولعل السؤال متكرر وما في تلك السورة كان بعد والأمن المسئول فيها إما هو الأول وأعاد سؤاله دون البلدية رغبة في إستمراره لأنه المقصد الأصلي أو لأن المعتاد في البلدية الإستمرار بعد التحقق بخلافه وإما غيره بأن يكون المسئول أولا مجرد الأمن المصحح للسكنى وثانيا الأمن المعهود ولك أن تجعل هذا البلد في تلك السورة إشارة إلى أمر مقدر في الذهن كما يدل عليه رب إني أسكنت إلخ فتطابق الدعوتان حينئذ وإن جعلت الإشارة هنا إلى البلد تكون الدعوة بعد صيرورته بلدا والمطلوب كونه آمنا على طبق ما في السورة من غير تكلف إلا أنه يفيد المبالغة أي بلدا كاملا في الأمن كأنه قيل أجعله بلدا معلوم الإتصاف بالأمن مشهورا به كقولك كان هذا اليوم يوما حارا والوصف بآمن إما على معنى النسب أي ذا أمن على حد ما قيل : في عيشة راضية وإما على الإتساع والإسناد المجازي والأصل آمنا أهله فأسند ما للحال للمحل لأن الأمن والخوف من صفات ذوي الإدراك وهل الدعاء بأن يجعله آمنا من الجبابرة والمتغلبين أو من أن يعود حرمه حلالا أو من أن يخلو من أهله أو من الخسف والقذف أو من القحط والجدب أو من دخول الدجال أو من دخول أصحاب الفيل أقوال والواقع يرد بعضها فإن الجبابرة دخلته وقتلوا فيه كعمرو بن لحمي الحرهمي والحجاج القفي والقرامطة وغيرهم وكون البعض لم يدخله للتخريب بل كان