كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)
غرضه شيئا آخر لا يجدي نفعا كالقول بأنه ما آذى أهله جبار إلا قصمه الله تعالى ففي المثل
إذا مت عطشانا فلا نزل القطر
وكان النداء بلفظ الرب مضافا لما في ذلك من التلطف بالسؤال والنداء بالوصف الدال على قبول السائل وإجابة ضراعته وقد أشرنا من قبل إلى ما ينفعك هنا فتذكر
وأرزق أهله من الثمرات أي من أنواعها بأن تجعل قريبا منه قرى يحصل فيها ذلك أو تجيء إليه من الأقطار الشاسعةوقد حصل كلاهما حتى أنه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد روى أن الله سبحانه لما دعا إبراهيم أمر جبريل فأقتلع بقعة من فلسطين وقيل : من الأردن وطاف بها حول البيت سبعا فوضعها حيث وضعها رزقا للحرم وهي الأرض المعروفة اليوم بالطائف وسميت به لذلك الطواف وهذا على تقدير صحته غير بعيد عن قدرة الملك القادر جل جلاله وإن أبيت إبقاءه على ظاهره فباب التأويل واسع وجمع القلة إظهارا للقناعة وقد اشرنا إلى أنه كثيرا ما يقوم مقام جمع الكثرة و من للتبعيض وقيل : لبيان الجنس من آمن منهم بالله واليوم تلآخر بدل من أهله بدل البعض وهو مخصص لما دل عليه المبدل منه وأقتصر في متعلق الإيمان بذكر المبدأ والمعاد لتضمن الإيمان بهما الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به قال أي الله تعالى ومن كفر عطف على من آمن ايوأرزق من كفر أيضا فالطلب بمعنى الخبر على عكس و من ذريتي وفائدة العدول تعليم تعميم دعاء الرزق وأن لا يحجر في طلب اللطف وكان إبراهيم عليه السلام قاس الرزق على الأمامة فنبهه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية لا تخص المؤمن بخلاف الأمامة أو أنه عليه السلام لما سمع لا ينال إلخ أحترز من الدعاء لمن ليس مرضيا عنده تعالى فأرشده إلى كرمه الشامل وبما ذكرنا أندفع ما في البحر من أن هذا العطف لا يصح لأنه يقتضي التشريك في العامل فيصير قال إبراهيم : وأرزق فينا فيه ما بعد ولك أن تجعل العطف على محذوف أيأرزق من آمن ومن كفر بلفظ الخبر ومن لا يقول بالعطف التلقيني يوجب ذلك ويجوز أن تكون من مبتدأ شرطية أو موصولة وقوله تعالى : فأمتعه قليلا على الأول معطوف على كفر وعلى الثاني خبر للمبتد أو الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ولا حاجة إلى تقدير أنا لأن إبن الحاجب نص على أن المضارع في لجزاء يصح إقترانه بالفاء إلا أن يكون إستحسانا وإلى عدم التقدير ذهب المبرد ومذهب سيبويه وجوب التقدير وأيد بأن المضارع صالح للجزاء بنفسه فلولا أنه خبر مبتدأ لم يدخل عليه الفاء ثم الكفر وإن لم يكن سببا للتمتع المطلق لكنه يصلح سببا لتقليله وكونه موصولا بعذاب النار وقليلا صفة لمحذوف أي متاعا أو زمانا قليلا وقرأ إبن عامر فأمتعه مخففا على الخبر وكذا قرأ يحيى بن وثاب إلا أنه كسر الهمزة وقرأ أبي فنمتعه بالنون وإبن عباس ومجاهد فأمتعه على صيغة الأمر وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون الضمير في قال عائدا إلى إبراهيم وحسن إعادة قال طول الكلام وأنه أنتقل من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين فكأنه أخذ في كلام آخر وكونه عائدا إليه تعالىأي قال الله : فأمتعه ياقادر يارزاق خطابا لنفسه على طريق التجريدبعيد جدا لا ينبغي أن يلتفت إليه
ثم أضطره إلى عذاب النار الإضطراب ضد الإختيار وهو حقيقة في كون الفعل صادرا من الشخص من غير تعلق إرادته به كمن ألقى من السطح مثلا مجاز في كون الفعل بإختياره لكن بحيث لا يملك الإمتناع عنه بأن عرض له عارض يقسره على إختياره كمن أكل الميتة حال المخمصة وبكلا المعنيين قال بعض ويؤيد الأول قوله تعالى :