كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

لوقوع أفعالهم موضع القبول والرضا عند المخدوم وليس الثواب مما يخطر لهم ببال ولعل هذا هو الأنسب بحال الخليل وإبنه إسمعيل عليهما السلام إنك أنت السميع العليم 721 تعليل لإستدعاء التقبل والمراد السميع لدعائنا والعليم بنياتنا وبذلك يصح الحصر المستفاد من تعريف المسندين ويفيد نفي السمعة والرياء في الدعاء والعمل الذي هو شرط القبول وتأكيد الجملة لإظهار كمال قوة يقينهما بمضمونها وتقديم صفة السمع وإن كان سؤال التقبل متأخرا عن العمل للمجاورة ولأنها ليست مثل العلم شمولا
ربنا وأجعلنا مسلمين لك أي منقادين قائمين بشرائع الإسلام أو مخلصين موحدين لك فمسلمين إما من أستسلم إذا إنقاد أو من أسلم وجهه إذا أخلص نفسه أو قصده ولكل من المعنيين عرض عريض فالمراد طلب الزيادة فيهما أو الثبات عليهما والأول أولى نظرا إلى منصبهما وإن كان الثاني أولى بالنظر إلى أنه أتم في إظهار الإنقطاع إليه جل جلاله وقرأ إبن عباس رضي الله تعالى عنه مسلمين بصيغة الجمع على أن المراد أنفسهما والموجود من أهلهما كهاجر وهذا أولى من جعل لفظ الجمع مرادا به التثنية وقد قيل به هنا ومن ذريتنآ عطف على الضمير المنصوب في أجعلنا وهو في محل المفعول الأول و أمة مسلمة لك في موضع المفعول الثاني معطوف على مسلمين لك ولو أعتبر حذف الجعل فلا بد أن يحمل على معنى التصيير لا الإيجاد لأنه وإن صح من جهة المعنى إلا أن الأول لا يدل عليه وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة كما قال الله تعالى : قوا أنفسكم وأهليكم نارا ولأنهم أولاد الأنبياء وبصلاحهم صلاح كل الناس فكان الإهتمام بصلاحهم أكثر وخصا البعض لما علما من قوله سبحانه : ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه أو من قوله عز شأنه : لا ينال عهدي الظالمين بإعتبار السياق إن في ذريتهما ظلمة وأن الحكمة الآلهية تستدعي الإنقسام إذ لولاه ما دارت أفلاك الأسماء ولا كان ما كان من أملاك السماء والمراد من الأمة الجماعة أو الجيل وخصها بعضهم بأمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وحمل التنكير على التنويع وأستدل على ذلك بقوله تعالى : وأبعث إلخ ولا يخفى أنه صرف للفظ عن ظاهره وأستدلال بما لا يدل وجوز أبو البقاء أن يكون أمة المفعول الأول ومن ذريتنا حال لأنه نعت نكرة تقدم عليها ومسلمة المفعول الثاني وكان الأصل وأجعل أمة منذريتنا مسلمة لكف الواو داخلة في الأصل على أمة وقد فصل بينهما بالجار والمجرور و من عند بعضهم على هذا بيانية على حد وعد الله الذين آمنوا منكم ونظر فيه أبو حيان بأن أبا علي وغيره منعوا أن يفصل بين حرف العطف والمعطوف بالظرف والفصل بالحال أبعد من الفصل بالظرف وجعلوا ما ورد من ذلك ضرورة وبأن كون من للتبيين مما يأباه الأصحاب ويتأولون ما فهم ذلك من ظاهره ولا يخفى أن المسألة خلافية وما ذكره مذهب البعض وهو لا يقوم حجة على البعض الآخر وأرنا مناسكنا قال قتادة : معالم الحج وقال عظاء وجريج : مواضع الذبح وقيل : أعمالنا التي نعملها إذا حججنا فالمنسك بفتح السين والكسر شاذ إما مصدر أو مكان وأصل النسك بضمتين غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة غالبا والبعد عن العادة و أرنا من رأى البصرية ولهمزة الأفعال تعدت إلى مفعولين أو من رأى القلبية بمعنى عرف لا علم وإلا لتعدت إلى ثلاثة وأنكر إبن الحاجب وتبعه أبو حيان ثبوت رأي بمعنى عرف وذكره الزمخشري في المفصل والراغب

الصفحة 385