كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 1)

في مفرداته وهما من الثقات فلا عبرة بإنكارهما وقرأ إبن مسعود وأرهم مناسكهم بإعادة الضمير إلى الذرية وقرأ إبن كثير ويعقوب وأرنا بسكون الراء وقد شبه فيه المنفصل بالمتصل فعومل معاملة فخذ في إسكانه للتخفيف وقد أستعملته العرب كذلك ومنه قوله : أرنا إداوة عبد الله نملؤها من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا وقول الزمخشري : إن هذه القراءة قد أسترذلت لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها فأسقاطها إجحاف مما لا ينبغي لأن القراءة من المتواترات ومثلها أيضا موجود في كلام العرب العرباء وتب علينآ أي وفقنا للتوبة أو أقبلها منا والتوبة تختلف بإختلاف التائبين فتوبة سائر المسلمين الندم والعزم على عدم العود ورد المظالم إذا أمكن ونية الرد إذا لم يمكن وتوبة الخواص الرجوع عن المكروهات من خواطر السوء والفتور في الأعمال والإتيان بالعبادة على غير وجه الكمال وتوبة خواص الخواص لرفع الدرجات والترقي في المقامات فإن كان إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام طلبا التوبة لأنفسهما خاصة فالمراد بها ما هو من توبة القسم الأخير وإن كان الضمير شاملا لهما وللذرية كان الدعاء بها منصرفا لمن هو من أهلها ممن يصح صدور الذنب المخل بمرتبةالنبوة منه وإن قيل : إن الطلب للذرية فقط وأرتكب التجوز في النسبة إجراءا للولد مجرى النفس بعلاقة البعضية ليكون أقرب إلى الإجابة أو في الطرف حيث عبر عن الفرع بأسم الأصل أو قيل : بحذف المضاف أي على عصا تنازال الأشكال كما إذا قلنا : إن ذلك عما فرط منهما من الصغائر سهوا والقول بأنهما لم يقصدا الطلب حقيقة وإنما ذكرا ذلك للتشريع وتعليم الناس إن تلك المواضع مواضع التنصل وطلب التوبة من الذنوب بعيد جدا وجعل الطلب للتثبيت لا أراه هنا يجدي نفعا كما لا يخفى وقرأ عبدالله وتب عليهم بضمير جمع الغيبة أيضا إنك أنت التواب الرحيم 821 تعليل للدعاء ومزيد إستدعاء للإجابة وتقديم التوبة للمجاورة وتأخير الرحمة لعمومها ولكونها أنسب بالفواصل
ربنا وأبعث فيهم أي أرسل في الأمة المسلمة وقيل : في الذرية وعود الضمير إلى أهل مكة بعيد رسولا منهم أي من أنفسهم ووصفه بذلك ليكون أشفق عليهم ويكونوا أعز به واشرف وأقرب للإجابة لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته ولم يبعث من ذرية كليهما سوى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وجميع أنبياء بني إسرائيل منذرية إبراهيم عليه الصلاة و السلام لا من ذريتهما فهو المجاب به دعوتهما كما روى الإمام أحمد وشارح السنة عن العرباض عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال : سأخبركم بأول أمري أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وأراد صلى الله تعالى عليه وسلم إثر دعوته أو مدعوه أو عين دعوته على المبالغة ولما كان إسمعيل عليه السلام شريكا في الدعوة كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم دعوة إسمعيل أيضا إلا أنه خص إبراهيم لشرافته وكونه أصلا في الدعاء ووهم من قال : إن الإقتصار في الحديث على إبراهيم يدل على أن المجاب من الدعوتين كان دعوة إبراهيم دون إسمعيل عليهما الصلاة والسلام وقرأ أبي وأبعث فيهم في آخرهم رسولا وهذا يويد أن المراد به نبينا وفي الأثر أنه لما دعى إبراهيم قيل له : قد أستجيب لك وهو يكون في آخر الزمان
يتلوا عليهم إياتك أي يقرأ عليهم ما توحي إليه من العلامات الدالة على التوحيد والنبوة وغيرهما

الصفحة 386