كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 11)
وبعليته لإصابة ما أصابهم من سوء العاقبة وبدخول هولاء الذين حكى عنهمما حكى في زمرتهم جرما ووعيدا دخولا أوليا والفاء لترتيب ما بعدهاعلى محذوف ينساق إليه الكلام أي فأهلكناهم فأنظر إلخ وكيف في موضعنصب خبر كان وقد يتصرف فيها فتوضع موضع المصدر وهو كيفية ويخلع عنها معنى الإستفهام بالكلية وهي هنا تحتمل ذلك وكذا قول البخاري 4رضي الله تعالى عنه : كيف كان بدء الوحي كما قال السمين ونقل عنه أن فعل النظر معلق عن العمل لمكان كيف لأنهم عاملوها في كلموضع معاملة الإستفهام المحض ومنهم من يؤمن به وصف لحالهم بعدإتيان التأويل المتوقع كما قيل إذ حينئذ يمكن تنويعهم إلى المؤمن بهوغير المؤمن به ضرورة إمتناع الإيمان بشيء من غير علم به وإشتراك الكل في التكذيب قبل ذلك فالضمير للمكذبين ومعنى الإيمان به إما الإعتقاد بحقيته فقط أي منهم من يصدق به في نفسه أنه حق عند الإحاطة بعلمه وإتيان تأويله لكنه يعاند ويكابر وأما الإيمان الحقيقي أي منهممن سيؤمن به ويتوب عن الكفر ومنهم من لا يؤمن به أي لا يصدق به فينفسه كما لا يصدق به ظاهرا لفرط غباوته المانعة عن الإحاطة بعلمه كما ينبغي أو لسخافة عقله وإختلال تمييزه وعجزه عن تخليص علومه عن معارضة الظنون والأوهام التي ألفها فيبقى على ما كان عليه من الشك أو لا يؤمن به فيما سيأتي بل يموت على كفره معاندا كان أو شاكا وربك أعلم بالمفسدين 40 أي بكلا الفريقين على الوجه الأول من التفسير لا بالمعاندين فقط لإ شتراكهما في أصل الإفساد المستدعي لإشتراكهما في الوعيد المراد من الكلام أو بالمصرين الباقين على الكفر على الوجه الثاني منه وإن كذبوك أي أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة وأول بذلك لأن أصل التكذيب حاصل فلا يصح فيه الإستقبال المفاد بالشرط وأيضا جوابه وهو قوله سبحانه : فقل لي عملي ولكم عملكم المراد منه التبرؤ والتخلية إنما يناسب الإصرار على التكذيب واليأس من الإجابة والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم كيفما كانا وتوحيد العمل المضافإليهم بإعتبار الإتحاد النوعي ولمراعاة كمال المقابلة كما قيل وقوله سبحانه : أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون 41 تأكيد لما أفاده لام الإختصاص من عدم تعدي جزاء العمل إلى غير عاملهأي لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم وعلى هذا فالآية محكمة غيرمنسوخة بآية السيف لما أن مدلولها إختصاص كل بأفعاله وثمراتها منالثواب والعقاب وآية السيف لم ترفع ذلك وعن مقاتل والكلبي وابن زيد أنها منسوخة بها وكأن ذلك لما فهموا منها الإعراض وترك التعرض بشيء ولعل وجه تقديم حكم المتكلم أولا وتأخيره ثانيا والعكس في حكم المخاطبين ظاهر مما ذكرناه في معنى الآية فإفهم
هذا ومن باب الاشارة في الآيات وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراءمستهم إذا لهم مكر في آياتنا وهو إحتجابهم عن قبول صفات الحق وذلكلأنه بتوفر النعم الظاهرة والمرادات الجسمانية يقوي ميل النفس إلى الجهة السفلية فتحتجب عن قبول ذلك كما أنه بأنواع البلاء تنكسر سورة النفس ويتلطف القلب ويحصل الميل إلى الجهة العلوية والتهيؤ لقبول ذلك قل الله أسرع مكرا بإخفاء القهر الحقيقي في هذا اللطف الصوري إن رسلنا يكتبون ما تمكرون في ألواحالملكوت هو الذي يسيركم في البر والبحر أي يسير نفوسكم في برالمجاهدات وقلوبكم في بحر المشهدات وقيل : يسير عقولكم في بر الأفعال وأرواحكم في بحر الصفات والذات