كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 11)

حتى إذا كنتم في الفلك أي فلك العناية الأزلية وجرين بهم بريحطيبة وهي ريح صبا وصاله سبحانه وفرحوا بها لإيذانها بذلك وتعطرهابشذا ديار الأنس ومرابع القدس : ألا يا نسيم الريح مالك كلما تقربت منا زاد نشرك طيبا أظن سليمي خبرت بسقامنا فأعطتك رياها فجئت طبيبا جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وذلك عاصف القهر وأمواج صفات الجلال وهذه سنة جارية في العاشقين لا يستمر لهم حال ولا يدوملهم وصال ولله در من قال : فبتنا على رغم الحسود وبيننا شراب كريح المسك شيب به الخمر فوسدتها كفى وبت ضجيعها وقلت لليلي طل فقد رقد البدر فلما أضاء الصبح فرق بيننا وأي نعيم لا يكدره الدهر وظنوا أنهم أحيط بهم أي أنهم من الهالكين في تلك الأمواج دعواالله مخلصين له الدين بالتبري من غير الله تعالى قائلين لئنأنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين لك بك فلما أنجاهم إذا هم يبغونفي الأرض بغيرالحق وهو تجاوزهم عن حد العبودية بسكرهم في جمالالربوبية وذلك مثل ما عر الحلاج وإضرابه ثم أنه سبحانه نبههم بعد رجوعهم من السكر إلى الصحو على أن الأمر وراء ذلك بقوله جل وعلا : يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم أي أنه يرجع إليكم ما إدعيتم لا إليه تعالى فإنه سبحانه الموجود المطلق حتى عن قيد الإطلاق كذا قالوا وقال ابن عطاء في الآية حتى إذا ركبوا مراكب المعرفة وجرت بهم رياح العناية وطابت نفوسهم وقلوبهم بذلك وفرحوا بتوجههم إلىمقصودهم جاءتها ريح عاصف أفنتهم عن أحوالهم وإرادتهم وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم أي تيقنوا أنهم مأخوذون عنهم ولم يبق لهم ولا عليهم صفة يرجعون إليها وأن الحق خصهم من بينعباده بأن سلبهم عنهم دعوا الله مخلصين له الدين حيث صفى سبحانه أسرارهم وطهرها مما سواه فلما أنجاهم أي ردهم إلى أوصافهم أشباحه رجعوا إلى ما عليه عوام الخلق من طلب المعاش للنفوس إنتهى وكأنه حمل البغي على الطلب وضمنه معنى الإشتغال أي يطلبون في الأرض مشتغلين بغير الحق سبحانه وهو المعاش الذي به قوام أبدانهم ويشكلأمر الوعيد المنبئ به فننبئكم إلخ على هذا التأويل وما قبله لأنما يقع في السكر لا وعيد عليه وكذا طلب المعاش وانظر هل يصح أن يقال : إن الأمر من باب حسنات الأبرار سيآت المقربين ثم أنه سبحانه مثل الحياة في سرعة زوالها وإنصرام نعيمها غب إقبالها وإغترار صاحبها بها بما أشار إليه سبحانه بقوله جل وعلا : كماء أنزلناه إلخ وفيه إشارة إلى ما يعرض والعياذ بالله تعالى لمن سبقت شقاوته في الأزل من الحور فبينما تراه وأحواله حالية وأعوامه عن شوائب الكدر خاليةوغصون أنسه متدلية ورياض قربه مونقة قلب الدهر له ظهر المجن وغزاهبجيوش المحن وهبت على هاتيك الرياض عاصفات القضاء وضاقت عليه فسيحات الفضاء وذهب السرور والإنس وجعل حصيدا كأن لم يغن بالأمس ونشد لسانحاله : قف بالديار فهذه آثارهم نبكي الأحبة حشرة وتشوقا كم قد وقفت بهنا أسائل مخبرا عن أهلها أو صادقا أو مشفقا فأجابني داعي الهوى في رسمها فارقت من تهوي فعز الملتقى

الصفحة 123