كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 11)
والله يدعو إلى دار السلام وهو العالم الروحاني السليم من الآفات ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم لا شعوب فيه وهو طريق الوحدة وقديقال : يدعو الجميع إلى داره ويهدي خواص العارفين إلى وصاله أو يدعو السالكين إلى الجنة ويبدىء المجذوبين إلى المشاهدة للذين أحسنوا وهم خواص الخواص الحسنى وهي رؤية الله تعالى وزيادة وهي دوام الرؤية أو للذين جاؤا بما يحسن به حالهم من خير قلبي أو قالبي المثوبة الحسنى من الكمال الذي يفاض عليهم وزيادة في إستعداد قبول الخير إلى ما كانوا عليه قبل وقد يقال : الحسنى ما يقتضيه قرب النوافل والزيادة ما يقتضيه قرب الفرائض ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أي لا يصيبهم غبار الخجالة ولا ذل الفرقة أولئك أصحاب الجنة التي تقتضيها أفعالهم هم فيها خالدون ثم ذكر سبحانه حال الذين أساءوا بقوله جل شأنه : والذين كسبوا السيآت إلخ وأشارإلى أنه عكس حال أولئك الكرام ويوم نحشرهم جميعا في المجمع الأكبر ثم نقول للذين أشركوا منهم وهم المحجوبون الواقفون مع الغير بالمحبة والطاعة مكانكم أنتم وشركاؤكم قفوا جميعا وانتظروا الحكم فزيلنا بينهم أي قطعنا الأسباب التي كانت بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون بل كنتم تعبدون أشياء إخترعتموها في أوهامكم الفاسدة فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين لم نطلبها منكم لا بلسان حال ولا بلسان قال هنالك أي في ذلك المواقف تبلو كل نفس أي تذوق وتختنبر ما أسلفت في الدنيا وردوا إلى الله مولاهم الحق المتولي لجزائهم بالعدل والقسط وضل عنهم ما كانوايفترون من إختراعاتهم وتوهماتهم الكاذبة وأمانيهم الباطلة ثم ذكرسبحانه مما يدل على التوحيد ما ذكر والرزق من السماء عند العارفين هو رزق الأرواح ومن الأرض رزق الأشباح والحي عندهم العارف والميت الجاهل وما يتبع أكثرهم الا ظنا ذم لهم بعدم العلم بما يجب لمولاهم وما يمتنع وما يجوز ولا يكاد ينجو من هذا الذم إلا قليل ومنهم الذين عرفوه جل شأنه به لا بالفكر بل قد يكاد يقصر العلم عليهم فإن أدلةأهل الرسوم من المتكلمين وغيرهم متعارضة وكلماتهم متجاذبة فلا تكاد ترى دليلا سالما من قيل وقال ونزاع وجدال والوقوف على علم من ذلك أمر أبعد من العيوق وأعز من بيض الأنوق
لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسرحت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقن أو قارعا سن نادم فمن أراد النجاة فليفعل ما فعل القوم ليحصل لهم أولا فليتبع السلفالصالح فيما كانوا عليه في أمر دينهم غير مكترث بمقالات الفلاسفة ومنحذا حذوهم من المتكلمين التي لا تزيد طالب الحق إلا شكا وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه من اللوحالمحفوظ وتفصيل الكتاب الذي هو الأم أي كيف يكون مختلقا وقد أثبت قبله في كتابين مفصلا ومجملا بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ذم لهم بالمسارعة إلى تكذيب الحق قبل التأمل والتدبر والإطلاع على الحقيقة وهذه عادة المنكرين أهل الحجاب مع كلمات القوم حيث أنهم يسارعون إلى إنكارها قبل التأمل فيها وتدبر مضامينها والوقوف على الإصطلاحات التي بنيت عليها الحري بهم التثبت والتدبر