كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 11)
والله تعالى ولي التوفيق ومنهم من يستمعون إليك بيان لكونهممطبوعا على قلوبهم بحيث لا سبيل إلى إيمانهم ومن مبتدأ خبره مقدم عليه وهو إما موصول أو نكرة موصوفة والجمله بعده إما صلة أو صفة وجمع الضمير الراجع إليه رعاية لجانب المعنى كما أفرد فيما بعدرعاية لجانب اللفظ ولعل ذلك للإيماء إلى كثرة المستمعين بناء علىعدم توقف الإستماع على ما يتوقف عليه النظر من الشروط العادية أو العقلية والمعنى ومن المكذبين الذين أو أناس يصغون إلى القرآن أوإلى كلامك إذا علمت الشرائع وتصل الألفاظ لآذانهم ولكن لا ينتفعون بها ولايقبلونها كالصم الذين لايسمعون أفأنت تسمع الصم أي تقدر على إسماعهم ولو كانوا لا يعقلون 42 أي ولو إنضم إلى صممهم عدم عقلهم لأنالأصم العاقل ربما تفرس إذا وصل إلى صماخه دوي وأما إذا إجتمع فقدان السمع والعقل فقد تم الأمر وإنما جعلوا كالصم الذين لا عقل لهم مع كونهم عقلاء لأن عقولهم قد أصيبت بآفة معارضة الوهم لها وداء متابعةالالف والتقليد ومن هنا تعذر عليهم فهم معاني القرآن والأحكام الدقيقة وإدراك الحكم الرشيقة الأنيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما تنتفع به البهائم من كلام الناعق وتقديم المسند إليه في أفأنت للتقوية عند السكاكي وجعله العلامة للتخصيص ففي تقديم الفاعل المعنوي وإيلائه همزة الإنكار الدلالة على أن نبي الله صلى الله عليه و سلم تصورفي نفسه من حرصه على إيمان القوم أنه قادر على الإسماع أو نزل منزلةمن تصور أنه قادر عليه وأنه تعالى شأنه نفى ذلك عنه صلى الله عليه و سلم وأثبته لنفسه سبحانه على الإختصاص كأنه قيل : أنت لا تقدر على إسماع أولئك بل نحن القادرون عليه كذا قيل وفي القلب منه شيء ولذا أختير هنا مذهب السكاكي وجعل إنكار الإسماع متفرعا على المقدمة الإستدراكية المطويةالمفهومة من المقام حسبما أشير إليه وفيه إعتبار كون الهمزة مقدمة من تأخير لإقتضائها الصدارة وهو مذهب لبعضهم
وقيل : إنها في موضعها وأدخلت الفاء لإنكار ترتب الأسماع علىالإستماع لكن لا بطريق العطف على فعله المذكور الواقع صلة أو صفة للزوم إختلال المعنى على ذلك بل بطريق العطف على فعل مثله مفهوم من فحوى النظم غير واقع موقعه كأنه قيل : أيستمعون إليك فأنت تسمعهم وقد يراد إنكار مكان وقوع الإسماع عقيب ذلك وترتبه عليه كما ينبئ عنه وضع الصم موضع ضميرهم ووصفهم بعدم العقل وجواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه والجملة معطوفة على جملة مقدرة مقابلة لها والكل في موضع الحال من مفعول الفعل السابق أي أفأنت تسمع الصم لوكانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون عل 4 ى معنى أفأنت تسمعهم على كل حالمفرروض ويقال للو هذه وصلية وذلك أمر مشهور وإستشكل الإتيان بهاهنا بأن الأصل فيها أن يكون الحكم على تقدير تحقق مدخولها ثابتا كماأنه ثابت على تقدير عدمه إلا أنه على تقدير عدمه أولى والأمر هنابالعكس وأجيب بأن إتصال الوصل بالإثبات جار على المعروف فإن تقديره تسمعهم ولو كانوا لايعقلون وظاهر أن إسماعهم مع العقل بطريق الأولى والإستفهام إثبات بحسب الظاهر فإن نظر إليه فذاك وئن نظر إلى الإنكاروإنه نفي بحسب المعنى أعتبر أنه داخل على المجموع بعد إرتباطه وكذا يقال فيما بعد فتأمل فيه ولا تغفل ومنهم من ينظر إليك ويعاين دلائل نبوتك الواضحة ولكن لا يهتدي