كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 11)
بها كالأعمى أفأنت تهدي العمي تقدر على هدايتهم ولو كانوا لايبصرون 43 أي ولو إنضم إلى عدم البصر عدم البصيرة فإن المقصود من الإبصار هو الإعتبار والإستبصار والعمدة في ذلك هي البصيرة ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ويتفطن لما لا يدرك البصير الأحمق فلا يقال : كيف أثبتلهم النظر والإبصار أولا ونفى عنهم ثانيا
إن الله لا يظلم الناس أي لا ينقصهم شيئا مما نيطت به مصالحهم وكمالاتهم من مبادىء الإدراكات وأسباب العلوم والإرشاد إلى الحق بإرسال الرسل عليهم السلام ونصب الأدلة بل يوفيهم ذلك فضلا منه جل شأنه وكرما ولكن الناس أنفسهم يظلمون 44 أي ينقصون ما ينقصون من ذلك لعدم إستعمال مشاعرهم فيما خلقت له وإعراضهم عن قبول الحق وتكذيبهم للرسل وترك النظر في الأدلة فشيئا مفعول ثان ليظلم بناء على أنه مضمن معنى ينقص كما قيل أو أنه بمعناه من غير حاجة إلى القولب التضمين كما نقول وإن النقص يتعدى لإثنين كما يكون لازما ومتعديا لواحد ولم يذكر ثاني مفعولي الثاني لعدم تعلق الغرض به وتقديم المفعول الأول يحتمل أن يكون لمجرد الإهتمام مع مراعاة الفاصلة من غيرقصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا يرى التقديم موجبا للقصركابن الأثير ومن تبعه كما في قوله سبحانه : وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم ويحتمل أن يكون لقصر المظلومية على رأي من يرى التقديم موجبا لذلك كالجمهور ومن تبعهم ولعل إيثار قصرها على قصر الظالمية عليهم للمبالغة في بطلان افعالهم وسخافة عقولهم على أن قصر الأولىعليهم ممستلزم كما قيل لما يقتضيه ظاهر الحال من قصر الثانية عليهم فإكتفى بالقصر الأول عن الثاني مع رعاية ما ذكر من الفائدة
وجوز بعضهم كون أنفسهم تأكيدا للناس والمفعول حينئذ محذوف فيكون بمنزلة ضمير الفصل في قوله تعالى : وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين في قصر الظالمية عليهم والتعبير عن فعلهم ذلك بالنقص مع كونه تفويتا بالكلية لمراعاة جانب قرينه وصيغة المضارع للإستمرار نفيا وإثباتا أما الثاني فظاهر وأما الأول فلأن حرف النفي إذا دخل علىالمضارع يفيد بحسب المقام إستمرار النفي لا نفي الإستمرار كما مر غير مرة
وقيل : المعنى إن الله لا يظلم الناس بتعذيبهم يوم القيامة شيئا من الظلم ولكن الناس أنفسهم يظلمون ظلما مستمرا فإن مباشرتهم المستمرةللسيئات الموجبة للتعذيب عين ظلمهم لأنفسهم فالظلم على معناه المشهور و شيئا مفعول مطلق والمضارع المنفي للإستقبال والمثبت للإستمرار ومساق الآية الكريمة على الأول لإلزام الحجة وعلى الثاني للوعيد وعلىالوجهين هي تذليل لما سبق وجعلها على الأول تذليلا لجميع التكاليف والأقاصيص المذكورة من أول السورة وإن كان متجها خلاف الظاهر لا سيما وما بعد ليس إبتداء مشروع قصة آخرين
وقيل : معنى الآية إن الله لا يظلم الناس شيئا بسلب حواسهم وعقولهم إن سلبها لأنه تصرف في خالص ملكه ولكن الناس أنفسهم يظلمون بإفساد ذلك وصرفه لما لا يليق وهي جواب لسؤال نشأ من الآية السابقة والظلم فيهاعلى ظاهره أيضا وإستدل بها على أن للعبد كسبا وليس مسلوب الإختيار بالكلية كما ذهب إليه الجبرية والمختار عند كثير من المحققين أن نفيظلم الناس عنه تعالى شأنه لأنه سبحانه جواد حكيم يفيض على القوابلحسب إستعدادها الأزلي الثابت في العلم فما من كمال أو نقص في العبد إلا هو كماله أو نقصه الذي إقتضاه