كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 11)
استعداده كما يرشد إلى ذلك قوله جلا وعلا أعطى كل شيء خلقه وقولهسبحانه : فألهمها فجورها وتقواها وأن إثبات ظلم الناس لأ نفسهم بإعتبار إقتضاء إستعدادهم الثابت في العلم الأزلي ما أفيض عليهم مماإستحقوا به التعذيب
وقد ذكروا أن هذا الإستعداد غير مجعول ضرورة أن الجعل مسبوق بتعلقالقدرة المسبوق بتعلق الإرادة المسبوق بتعلق العلم والإستعداد ليس كذلك لأنه لم يثبت العلم إلا هو متعلق به بل بسائر الأشياء أيضا لأنالتعلق بالمعلوم من ضروريات العلم والتعلق بما لا ثبوت له أصلا ممالا يعقل ضرورة أنه نسبة وهي لا تتحقق بدون ثبوت الطرفين ولا يرد علىهذا أنه يلزم منه إستغناء الموجودات عن المؤثر لأنا نقول : إن كان المراد إستغناءها عن ذلك نظرا إلى الوجود العلمي القديم فالأمر كذلك ولا محذور فيه وإن كان المراد إستغناءها عن ذلك نظرا إلى وجودها الخارجي الحادث فلا نسلم اللزوم وتحقيق ذلك بماله وما عليه في محله وفي الآية على هذا تنبيه على أن كون أولئك المكذبين كما وصفوا إنما نشأ عن إقتضاء إستعدادهم له ولذلك ذموا به لا عن محض تقديره عليهم منغير أن يكون منهم طلب له بإستعدادهم ولعل تسمية التصرف على خلاف ما يقتضيه الإستعداد لو كان ظلما من باب المجاز وتنزيل المقتضى منزلة الملك وإلا فحقيقة الظلم مما لا يصح إطلاقه على تصرف من تصرفاته تعالىكيف كان إذ لا ملك حقيقة لأحد سواه في شيء من الأشياء ووضع الظاهر فيالجملة الإستداراكية موضع الضمير لزيادة التعيين والتقرير وقرأحمزة والكسائي بتخفيف لكن ورفع الناس ويوم يحشرهم بالياءوهي قراءة حمزة على عاصم وقرا الباقون بالنون على الإلتفات و يوم عند الأكثرين منصوب بمضمر أي أذكر لهم أو أنذرهم يوم نجمعهم لموقف الحساب كأن لم يلبثوا أي كأنهم أناس لم يلبسوا إلا ساعة منالنهار أي شيئا قليلا منه فإنها مثل في غاية القلة وتخصيصها بالنهار لأن ساعاته أعرف حالا من ساعات الليل والجملة في موقع الحال منمفعول نحشرهم أي نحشرهم مشبهين بمن لم يلبث في الدنيا أو فيالبرزخ إلا ذلك القدر اليسير وليس المراد من التشبيه ظاهره على ما قيل وقد صرح في شرح المفتاح أن التشبيه كثيرا ما يذكر ويراد بهمعان أخر تترتب عليه فالمراد إما التأسف على عدم إنتفاعهم بأعمارهم أو تمنى أن يطول مكثهم قبل ذلك حتى لا يشاهدوا ما شاهدوه من الأهوال فمآل الجملة في الآخرة نحشرهم متأسفين أو متمنين طول مكثهم قبل ذلك ويجوز مشبهين في أحوالهم للناس بمن لم يلبث في الدنيا ولم يتقلب في نعيمها إلا يسيرا فإن من أقام بها دهرا وتمتع بمتاعها لا يخلو عن بعض آثار نعمة وأحكام بهجة منافية لما بهم من رثاثة الهيئةوسوء الحال وإليه ذهب بعضهم والظاهر أنه تكلف لإبقاء التشبيه علىظاهره والأول أولى كما لا يخفى وأيا ما كان ففائدة التشبيه كنار علىعلم والعجب ممن لم يرها فقال الظاهر أن كأن للظن وإدعى البعض أن فائدة التقييد على تقدير أن يراد اللبث في البرزخ بيان كمال يسر الحشر بالنسبة إلى قدرته تعالى ولو بعدد هو طويل وإظهار بطلانإستبعادهم وإنكارهم بقولهم : أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون ونحو ذلك أو بيان تمام الموافقة بين النشأتين في الأشكالوالصور فإن قلة اللبث في البرزخ من موجبات عدم التبدل والتغير ولعل مآل الحال على هذا ويوم نحشرهم على صورهم وأشكالهم غير متغيرين وجوز أبو علي كون الجملة في موضع الصفة ليوم والعائذ محذوف تقديره كأن لم يلبثوا قبله أو لمصدر محذوف والعائد كذلك أي