كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 16)

الصلة غير ما مر تكرير للتنكير وتشديد للعتاب قيل : ولعل إسناد الإرادة أولا إلى ضمير المتكلم وحده أنه الفاعل المباشر للتعييب وثانيا إلى ضمير المتكلم ومعه غيره لأن إهلاك الغلام بمباشرته وفعله وتبديل غيره موقوف عليه وهو بمحض فعل الله تعالى وقدرته فضمير نا مشترك بين الله تعالىى والخضر عليه السلام وثالثا إلى الله تعالى وحده لأنه لا مدخل له عليه السلام في بلوغ الغلامين واعترض توجيه ضمير الجمع بأن اجتماع المخلوق مع الله تعالى في ضمير واحد لاسيما المتكلم فيه من ترك الأدب ما فيه ويدل على ذلك ما جاء من أن ثابت بن قيس بن شماس كان يخطب في مجلسه إذا وردت وفود العرب فاتفق أن قدم وفد تميم فقام خطيبهم وذكر مفاخرهم ومآثرهم فلما أتم خطبته قام ثابت وخطب خطبة قال فيها من يطع الله عز و جل ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال له النبي : بئس خطيب القوم أنت وصرح الخطابي أنه عليه الصلاة و السلام كره منه ما فيه من التسوية وأجيب بأنه قد وقع نحو ذلك في الآيات والأحاديث فمن ذلك قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي فإن الظاهر أن ضمير يصلون على راجع إلى الله تعالى وإلى الملائكة وقوله في حديث الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليهما مما سواهما ولعل ما كرهه من ثابت أنه وقف على قوله يعصهما : لا التسوية في الضمير وظاهر هذا أنه لا كراهة مطلقا في هذه التسوية وهو أحد الأقوال في المسئلة وثانيها ما ذهب إليه الخطابي أنها تكره تنزيها وثالثها ما يفهمه كلام الغزالي أنها تكره تحريما وعلى القول بالكراهة التنزيهية استظهر بعضهم أنها غير مطردة فقد تكره في مقام دون مقام وبني الجواب عما نحن فيه على ذلك فقال : لما كان المقام الذي قام به خطابة وأطناب وهو بحضرة قوم مشركين والإسلام غض طري كره التسوية منه فيه وأما مثل هذا المقام الذي القائل فيه والمخاطب من عرفت وقصد فيه نكتة فيه نكتة وهو عدم استقلاله فلا كراهة للتسوية فيه وخص بعض الكراهة بغير النبي وحينئذ يقوى الجواب عما ذكر لأنه إذا جازت للنبي فهو في كلام الله تعالى وما حكاه سبحانه بالطريق الأولى
وخلاصة ما قرر في المسئلة أن الحق أنه لا كراهة في ذلك في كلام الله تعالى ورسوله كما أشير إليه في شروح البخاري وأما في حق البشر فلعل المختار أنه مكروه تنزيها في مقام دون مقام هذا وأنا لا أقول باشتراك هذا الضمير بين الله تعالى والخضر عليه السلام لا لأن فيه ترك الأدب بل لأن الظاهر أنه كضمير خشينا والظاهر في ذاك عدم الإشتراك لأنه محوج لارتكاب المجاز على أن النكتة التي ذكروها في اختيار التشريك في ضمير أردنا لا تظهر في اختياره في ضمير فخشينا لأنه لم يتضمن الكلام الأول فعلين على نحو ما تضمنهما الكلام الثاني فتدبر وقيل في وجه تغاير الأسلوب : أن الأول شر فلا يليق إسناده إليه سبحانه وأن كان هو الفاعل جل وعلا والثالث خير فأفرد إسناده إلى الله عز و جل والثاني ممتزج خبره وهو تبديله بخير منه وشره وهو القتل فأسند إلى الله تعالى وإلى نفسه نظرا لهما وفيه أن هذا الإسناد في فخشينا أيضا وأين امتزاج الخير والشر فيه وجعل النكتة في التعبير ينافيه مجرد الموافقة لتاليه ليس بشيء كما لا يخفى وقيل : الظاهر أنه أسند الإرادة في الأولين إلى نفسه لكنه تفنن في التعبير فعبر عنها بضمير المتكلم مع الغير بعد ما عبر بضمير المتكلم الواحد لأن مرتبة الانضمام مؤخرة عن مرتبة الانفراد مع أن فيه تنبيها على أنه من العظماء في علوم الحكمة فلم يقدم على هذا القتل إلا لحكمة عالية بخلاف التعييب وأسند فعل الإبدال إلى الله

الصفحة 15