كتاب روح المعاني (إحياء التراث العربي) (اسم الجزء: 18)
وهو الفسق كأنه قيل جميع القاذفين فاسقون إلا التائبين منهم كما يقال القوم منطلقون إلا زيدا استثناء متصلا بناء على أن زيدا داخل في القوم مخرج عن حكم الإنطلاق فيصح الإستثناء المتصل سواء جعل المستثنى منه بحسب اللفظ هو القوم أو الضمير المستتر في منطلقون بناء على أنه أقرب وأن عمل الصفة في المستثنى أظهر وليس المراد أن المستثنى منه لفظا هو لفظ القوم البتة وإذا جعل المستثنى منه ضمير منطلقون فمعنى الكلام أن زيدا داخل في الذوات المحكوم عليهم بالإطلاق مخرج عن حكم الإنطلاق كما في قولنا انطلق القوم إلا زيدا زكذا الكلام في الآية
وأجيب بأن الفاسقين ههنا إما أن يكون بمعنى الفاسق على قصد الدوام والثبات أو بمعنى من صدر عنه الفسق في الزمان أو من قام به الفسق في الجملة ماضيا كان أو حالا فإن أريد الأول فالتائب ليس بفاسق ضرورة قضاء الشارع بأن التائب ليس بفاسق حقيقة ومن شرط الإستثناء المتصل أن يكون الحكم متناولا للمستثنى على تقدير السكوت عن الإستثناء وهذا مراد فخر الإسلام بعدم تناول الفاسقين للتائبين بخلاف منطلقون فإنه يدخل فيه زيد على تقدير عدم الإستثناء أريد الثاني أو الثالث فلا صحة لإخراج التائب عن الفاسقين لأنه فاسق بمعنى صدور الفسق عنه في الجملة ضرورة أنه قاذف والقذف فسق
ولا يخفى أن منع عدم دخول التائبين في الفاسقين بالمعنى الذي ذكرنا ومنع عدم صحة إخراجهم عنهم بالمعنى الآخر موجه وإن الإستدلال على دخولهم بأنه قد حكم بالفسق على أولئك المشار به إلى الذين يرمون وهو عام ليس بصحيح للإجماع القاطع على أنه لا فسق مع التوبة وكفى به مخصصا أه وفيه أن الإجماع لا يكون مخصصا فيما نحن فيه لكون متراخيا عن النص ضرورة أنه لا إجماع إلا بعد زمان النبي صلى الله عليه و سلم فالحكم بالفسق على أولئك المشار به إلى الذين يرمون وهو عام فيتم الإستدلال
وأجيب عن هذا بأن المراد بالتخصيص قصر العام على بعض ما يتناوله اللفظ لا التخصيص المصطلح وهو كما ترى وفي قوله : ومن شرط الإستثناء المتصل بحث يعلم مما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبا وقال العلامة : الظاهر كون الإستثناء متصلا أي أولئك الذين يرمون محكوم عليهم بالفسق إلا التائبين منهم فإنه غير محكوم عليهم بالفسق لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وكأنه أراد أنهم غير محكوم عليهم بالفسق الدائم وهو المحكوم به عليهم في الصدر بقرينة الجملة الإسمية
وذكر بعض الأفاضل في توجيه كونه متصلا أن دخول المستثنى في المستثنى منه إنما يكون باعتبار تناول المستثنى وشموله إياه لا بحسب ثبوته له في الواقع كيف ولو ثبت الحكم له لما صح استثناؤه فههنا الذين يرمون شامل للتائبين منهم فلا يضر في صحة الإستثناء ليسوا بفاسقين وأن التوبة تنافي ثبوت الفسق كما إذا لم يدخل زيد في الإنطلاق فإنه يصح استثناؤه باعتبار دخوله في القوم مثل انطلق القوم إلا زيدا
والحاصل أنه يكفي في الإستثناء دخول المستثنى في حكم المستثنى منه بحسب دلالة اللفظ وإن لم يدخل فيه بحسب دليل خارج كما يقال : خلق الله تعالى كل شيء إلا ذاته سبحانه وصفاته العلي قال العلامة : ويمكن الجواب عن هذا بأنه لا فائدة للإستثناء المتصل على هذا التقدير لأن خروج المستثنى من حكم المستثنى منه معلوم فيحمل على المنقطع المفيد لفائدة جديدة وهذا مراد فخر الإسلام بعدم دخول التائبين في صدر الكلام وبحث فيه بأن عدم التناول الشرعي مستفاد من الإستثناء المذكور في الآية والحديث أعني التائب من الذنب كمن لاذنب